الإبداع حالة تجعل صاحبها يخرج عن المعتاد أو يقدم غير المتوقع، فهو ليس الإجادة لكنه مرحلة تتخطى الإجادة وتتعدى المعروض، لتقدم من وحي خيال صاحبها ما لم يكن في الجانب المرئي أو المنظور لدى كثير من الناس. الإبداع عندي حالة يمتلك صحابها خيالاً يستطيع من خلاله الحلم بالمستحيل، دون الاكتفاء بالممكن والمستطاع.
كذلك فإن الإبداع حاجة إنسانية، فالمبدعون في أي أمة هم القاطرة التي تسير عملية التقدم، وبات الكشف عنهم له مقاييس وبرامج محددة، في عصر أصبحت فيه قوة الأمم تقاس بما تملكه من مبدعين من أبنائها، والمبدعون هم الضمانة الحقيقة لقوة الأمم وقدرتها على الاستمرار والعطاء الإنساني، وهو شرفها وعنوانها.
إننا نحمل المؤسسات التعليمية الجانب الأكبر من اللوم في أن مخرجاتها لا تخرج مبدعاً بقدر ما تعتمد على أساليب التلقين، وكأننا نغسل أيدينا من تراخينا نحن، ناسين أن الكشف عن المبدعين وتربيتهم، فيه جزء كبير تتحمله الأسرة ذاتها باعتبارها البيئة الأولى للطفل. كيف نكتشف أن في بيوتنا بذرة يمكن أن تنبت لنا مبدعاً، ونحن لا نقيم حواراً مع أبنائنا لنعرف فيمَ يفكرون وكيف يفكرون؟ كيف لنا أن نعرف ما يتمتع به أطفالنا من مواهب، ونحن قد تركناهم لمن يربيهم نيابة عنا، سواء كان ذلك مربية أو تلفزيوناً أو عبر وسائل الإعلام الجديد بكل أشكالها؟
الأهم من ذلك، أن الأسرة نفسها قد تكون سبباً في كبت الإبداع عند الطفل، عندما تستخف بما يراه أو تعنفه على ما يأتي به من سلوك، قد يكون في ظاهره غير متقبل، كأن يفكك لعبة اشتراها له والده.. وتزرع في نفسه الرهبة من تجاوز الخارطة السلوكية التي حددها له أبواه، وأن ينزل على رغبتهما لكي ينعت بالأدب والطاعة، فتقتل لديه المبادرة ولا يسمح له بمساحة من التمرد السلوكي المحمود، الذي قد يفاجأ به من حوله.
وما يؤلمني أن بعض الأسر قد تعتبر أن المقياس الحقيقي للإبداع، هو ما يتحصل عليه الأبناء من علامات دراسية وما عداه يعتبر فشلاً مريعاً، ولا مانع لديهم من تذكيرهم بهذا بين الحين والآخر ومعايرتهم به، بل لا مانع من التمادي في ذلك بمقارنة الأبناء بعضهم ببعض، وعدم إدراك النتائج القاسية على نفسيات الأطفال من هذه المقارنة، بزرع الشقاق بينهم أو إصابة الطفل بالإحباط وشعوره بالتمييز بينه وبين غيره من أبناء الأسرة الواحدة.
وآية ذلك أنك عندما تستمع إلى الذين أبدعوا في الأدب والشعر والعلوم الطبيعية والفن والموسيقى والرياضة وغيرها من مختلف المجالات، تجد أموراً عدة:
الأول؛ أن نفراً غير قليل منهم أقبلوا على ما هم عليه من تخصص، على خلاف ما أرادت الأسرة التي تضع لأبنائها أطراً ثابته تريد منهم السير عليها كقطار السكك الحديدية، ولكن الأمر هنا يختلف، فأنت تتعامل مع إنسان لحماً ودماً وفكراً وعقلاً.
ثانياً؛ ان بعضاً منهم تعثروا خلال دراستهم في تحصيل العلوم النظامية، والأغرب أن ما أبدعوا فيه خارج الإطار التعليمي الرسمي، هو ما قد يكون تعثروا فيه داخل الفصول الدراسية ونالوا تأنيباً من أساتذتهم وتعنيفاً فوق الطاقة، والأمثلة على ذلك فوق الحصر، وكأن للإبداع قانونه الخاص الذي لا يعرفه إلا نفر قليل من الناس.
ثالثاً؛ السؤال لماذا يتأخر اكتشاف هالة النور داخل عقول المبدعين منذ سني عمرهم المبكرة، في حالات كثيرة في عالمنا العربي؟ داخل محيطهم الأسرى الذي هو الإطار الأقرب نفسياً وجغرافياً لهم، وترك ذلك للمصادفة أحياناً أو للحظات الانفجار التي يكون الفرد قد وصل فيها إلى حالة تخرج من الكمون إلى العلن، بفعل القوة الداخلية، بعد أن يكون ضاع كثير من الوقت هدراً، كمن يملك كنزاً ولا يستطيع الانتفاع به.
رابعاً؛ رغم أن الإبداع فيه جزء أودعه الله في نفس صاحبه، إلا أنك عندما تستمع إليهم أو تتبع آثارهم، تجد أنهم أناس قد كرسوا حياتهم لما أردوا، وملكوا إرادة حديدية هزمت الإحباطات التي واجهتهم ومرات السقوط التي لو استسلموا لها لكانوا في زوايا النسيان، إلا أنهم انتصروا على أنفسهم وأيقنوا أن الفشل لا يأتي إلا عندما يتوقف الإنسان عن المحاولة مرات ومرات لتحقيق ما يريد، فلا فشل مع المحاولة ومدمن الطرق لا بد أن يلج.. لذا لم تكن رحلتهم للصعود محاطة بالورود، ولكنها شاقة ومليئة بالصعاب والأشواك.
والتاريخ يقص علينا كيف أن هناك مبدعين كثراً لم ينالوا حظاً من التعليم لظروف لم تكن تواتيهم، لكنهم استطاعوا أن يكتشفوا في أنفسهم شيئاً يميزهم مهما كان صغيراً، وملأوا الدنيا طولاً وعرضاً. وهل كان المهندس بديع الزمان الجزري (توفي عام 1184م)، وهو أول من اخترع الإنسان الآلي المتحرك للخدمة في المنزل، حين طلب منه الحاكم أن يصنع آلة تغنيه عن الخدم كلما رغب في الوضوء للصلاة، قد تعلم في مدرسة للهندسة؟
وهل كان عباس العقاد، صاحب العبقريات، نال حظاً من التعليم كافياً أو غير كاف، إلا أنه استطاع أن يلم بأطراف العلوم؟ وهل كان موزارت، وهو فاقد بصره، قد تعلم كيف يضع أصابعه على البيانو في معهد للموسيقى؟ وأتساءل؛ في أي من المعاهد الفنية تعلم ليناردو دافنشي كيف يعمل بفرشاته الذهبية خطوط الموناليزا؟!
إنني هنا لا أبرئ النظام التعليمي المؤسسي من مسؤوليته في الكشف عن المبدعين ووضع المناهج التي تفرزهم، وبثقافتي الكروية البسيطة أعلم أن الأندية الشهيرة لا تكتفي فقط بالإعلان عن فتح باب التقديم لاختبار اللاعبين الجدد من صغار السن، ولكنها استعانت منذ أمد بعيد بالباحث الذي يذهب إلى الأماكن الشعبية والمناطق النائية والساحات التي يمارس فيها الأطفال هوايتهم بتلقائية، لينتقي بعين الخبير أصحاب المهارات الذين يسطرون المجد في تاريخ الرياضة.
إذا كان يحدث هذا على مستوى لعبة كرة القدم، فلا أقل من أن يكون لدينا معلمون لديهم هذه الحاسة في اكتشاف المبدعين، ولن يأتي ذلك والمعلم مثقل بما لا طاقة له به من جدول دراسي، يجعله لا يستطيع أن يرفع رأسه لمعرفة أسماء تلاميذه في الصف، فكيف به اكتشاف ما لديهم من إبداع!