كان ذلك في بداية صيف عام 1949، وقد مضى عامان على وجودي في جامعة فؤاد الأول، المعروفة حاليا باسم جامعة القاهرة، حيث علمت فجأة أن والدي مريض. وعلى هذا الأساس، قررت أخذ عطلة في إنجلترا لكي أتمكن من زيارته، وكنت قد تزوجت حديثا، لذا وجدت أنا وزوجتي أنه سيكون أمراً مثيرا القيام برحلة إلى اليونان أولا، وركوب القطار إلى روما، ومن ثم ركوبه مجددا إلى إنجلترا.
وصادف أن صديقي بيتر دوفال سميث، الذي سبق أن كتبت عنه عمودا صحافيا كاملا، كان يقيم في ذلك الوقت في العاصمة اليونانية أثينا. وبعد قضائنا بضعة أيام في العاصمة المشهورة بمبانيها العتيقة والجميلة، والتي تعود إلى الفترة التي كانت فيها اليونان مركز حضارة العالم، وبحياتها الليلية الصاخبة، اقترح صديقي بيتر أن نقضي بعد ذلك بضع ليال في جزيرة بوروس القريبة.
وعلى هذا الأساس، توجهنا نزولا إلى ميناء بيرايوس، ومن هناك ركبنا سفينة بخارية صغيرة إلى بوروس. ولقد وجدنا هناك مكانا يبعث على السرور، حيث يتألف أساساً من الميناء وعدد كبير من المقاهي المتواضعة التي تعمل في ذلك المكان.
وبعد أن تمكنا من إيجاد غرف في الفندق أسعارها رخيصة، قضينا الأمسية مع بيتر، وهو يتحدث عن حياته في أثينا والصديقات الكثيرات اللواتي تعرف عليهن هناك. وبعد أن تناولنا وجبة من السمك المحلي، قمنا بإجراء ترتيب مع صاحب أحد الزوارق الصغيرة لوضع زورق تحت تصرفنا، حتى نتمكن من القيام بجولة في الجزيرة الصغيرة في الغد.
ذهبنا من تلقاء أنفسنا، ولقد استمتعت بتجربة التجديف بالمركب الصغير على امتداد المسافة حول الجزيرة ثم العودة إلى الميناء. وبعد وصولنا إلى الميناء وجلوسنا في مقهى، أدركت فجأة أنه لم تعد بحوزتي محفظتي، التي كنت قد وضعت فيها كل المال المطلوب لإكمال رحلتنا إلى إنجلترا.
وضعت المحفظة في أحد جيوب سروالي، ومن الواضح أنها انزلقت في المركب فيما كنت أجدف. وكانت هذه كارثة حقيقية، فأنا لم أكن أملك حتى ثمن الشراب الذي احتسيناه في المقهى. قال صاحب المقهى: "لا عليك، يمكنك أن تدفع لي في الغد".
لكن الرجل ما كان ليدرك أنني لن أكون في وضع أفضل في الغد مما كنت عليه حينها. ترى ماذا كان عساي أن أصنع؟
في الصباح التالي استشرت صاحب الفندق في الأمر.
فسألني: "هل تستطيع التعرف على صاحب المركب الذي استأجرته البارحة؟"
هززت رأسي نافياً، فكل ما أستطيع تذكره عنه أنه رجل طاعن في السن.
فاقترح علي صاحب الفندق الآتي: "لنذهب إلى الميناء ولنر ما إذا كان بإمكانك التعرف على الرجل".
ولقد اعتقدت حينئذ أن الذهاب إلى الميناء مجرد مضيعة للجهد لا فائدة ترجى منه، حيث إن صاحب الزورق كان بإمكانه بسهولة بعد أن وجد محفظتي مطروحة على أرضيته، التجديف بعيدا إلى الميناء الرئيسي في بيرايوس والاختفاء لمدة أسبوع أو أسبوعين، وبحوزته ما يكفي من المال للاهتمام بنفسه لعدة أسابيع.
وتصوروا مقدار دهشتي عندما وجدت رجلا يلوح لي، وهو واقف في أحد الزوارق، بينما أنا أسير بمرافقة صاحب الفندق. والشيء الذي كان يلوح به هو محفظتي، وخرج بعدها من الزورق وسار إلى حيث أقف. ثم سلمني المحفظة، وأوضح للرجل الذي كان بصحبتي أنها لا بد انزلقت بطريقة ما من جيبي، فيما كنت أجدف منطلقاً بالزورق.
فتحت المحفظة بطريقة عرضية، ورأيت رزمة الأوراق النقدية التي كنت قد وضعتها داخلها.
وعند رؤية ما كنت أقوم به، ضحك الرجل، وقال شيئا باللغة اليونانية للرجل الذي كنت برفقته، وبالطبع لم أفهم ما قاله.
قال لي صاحب الفندق: "يقول لي إن محفظتك تعود تماما كما خرجت من جيبك، لم يفقد منها شيء".. كنت لا أزال عاجزاً عن تصديق حظي السعيد، فقلت له: "أرجوك قل له إنني ممتن جدا له، وأني لن أنسى هذه التجربة مطلقا".
أخذت بضع أوراق من الدولارات من المحفظة، وناولتها للرجل.
وقلت لصاحب الفندق: "أرجوك اشكره عني، وقل له إن هذه أوراق نقدية أميركية، لكنه يمكنه صرفها بسهولة بالدراخمة"، ثم ذهبت ودفعت المال الذي كنت مدينا به للمقهى الذي كنا فيه البارحة.. وبفضل أمانة صياد سمك بسيط، تمكنا أنا وزوجتي من إكمال رحلتنا إلى إنجلترا. ولهذا لن أنساه أبدا..