يتوقع العالم من دول الخليج الكثير، الآن ومستقبلا. وقد تتغير الظروف وتختلف الأدوار وتختلط أوراق الكثير من الدول، ولكن بالنسبة لدول الخليج ستظل الأمور المتوقعة منها واحدة، رغم كل المتغيرات. سيظل العالم يتوقع أن تظل أوراق وأدوار دول الخليج مرتبة ومنظمة، ومستعدة لتوفير حلول فورية لقضايا ومشاكل العالم المحيط بها.

يتوقع العالم أن تظل دول الخليج، بحكم موقعها وثرواتها، جاهزة لتقديم كافة أشكال الدعم والعون والمساعدة لكل متضرر ومحتاج في بلدان كثيرة، ويتوقع العالم أن تتدخل دول الخليج، ليس بحكم قوتها ولكن بحكم وسطيتها، لإيجاد حلول لمشاكل الآخرين المحيطين بها، ويتوقع العالم من دول الخليج أن تهب لدفع فواتير الدول التي تعاني من مشاكل مالية وديون، ويتوقع من دول الخليج أن تحل مشاكل تلك الدول التي دفعتها سياساتها الداخلية إلى ارتكاب أخطاء، بل حماقات ضد شعوبها، ويتوقع من دول الخليج أن تهب لنجدة كل مهاجر تقطعت به السبل.

ويتوقع منها أن تستقبل سنويا آلاف، بل ملايين المهاجرين الوافدين إليها وتقدم لهم الوظائف، وتعاملهم بشكل لا يسيء إلى كرامتهم الإنسانية وحقوقهم البشرية، ويتوقع من دول الخليج أن لا تدفعها سياساتها ومصالحها الوطنية، إلى الانغلاق عن العالم والانكباب على حل تلك القضايا بمعزل عما يدور في العالم من عولمة ومن أخطار إقليمية، ومن مصالح عالمية مشتركة ومن تطورات دولية متلاحقة. سوف يظل العالم يتوقع من دول الخليج أن تظل مستهلكا لكافة سلع العالم، بل وأن تكون في بعض الأحيان مكبا لنفايات العالم وتلوثه، دون أن تحرك ساكنا.

وفي الواقع يتوقع العالم من دول الخليج الكثير. هذا التوقع يكبر كل يوم بحكم موقع هذه الدول وحجمها السياسي الجديد، والدور المستقبلي الذي عليها أن تلعبه، والالتزام العالمي والمسؤولية الأخلاقية التي انتهجتها منذ تأسيسها.

دول الخليج، خاصة قطر ودولة الإمارات، باتت تلعب أدوارا كبيرة في المجتمع الدولي، بحكم التزامها الأخلاقي وبحكم النهج والخط الذي سارت عليه منذ تأسيسها. هذا النهج أثار العديد من التساؤلات، ليس فقط بين مواطني دول الخليج، بل وفي نظر رعايا الدول الأخرى التي كانت قبل فترة قليلة لاعبا رئيسيا في شؤون المنطقة ثم فقدت دورها. بعض من هذه التساؤلات لا يزال خافتا يدور في الكواليس، والبعض الآخر يناقش علانية. لماذا تم اختيار دول الخليج للعب هذا السيناريو الجديد ولمصلحة من؟ هل لمصلحة دول الخليج نفسها أم لمصلحة الدول العظمى؟ وهل دول الخليج، خاصة الصغيرة منها، قادرة على لعب أدوار كبيرة لا تتناسب وحجمها الجغرافي؟ وما هو الدور المستقبلي المتوقع منها؟

أسئلة وتساؤلات كثيرة كهذه، نسمعها بصورة يومية وتتناقلها وسائل الإعلام الإقليمي والعالمي، بعضها يعتمد على تحليل عميق والبعض الآخر لا يرقى إلى مستوى العلمية والنضج، ولكنها جميعا تناقش الأدوار الجديدة والتوقعات المستقبلية للخليج الجديد.

هناك من يعتقد أن دول الخليج بما لديها من مال ونفط، إنما تريد شراء الآخرين أو شراء مكانة مميزة لها على الساحة الدولية، رغبة منها في الوصول إلى مكانة عالية واكتساب دور أكبر على الساحة الدولية، وهناك من يرى أن دور دول الخليج الجديد هذا، بدأ بعد تراجع دور الدول العربية الكبرى التي انشغلت لسبب أو آخر بقضاياها الداخلية، تاركة مساحة لدول الخليج الصغيرة لتحل محلها.

فكرة أن دول الخليج تريد شراء الآخرين، هي وهم تغذى على أفكار أنانية لا ترغب في أن ترى دولا صغيرة وقد وصلت إلى مكانة متميزة. فدول الخليج الصغيرة لا تريد شراء الآخرين ولا ترغب في لعب أدوار ليست في حجمها، ولا أدوار تنعكس سلبا على مصالحها الوطنية. إنما تدفع دول الخليج أحيانا للتدخل لصالح طرف ضد آخر، من أجل غايات إنسانية ومصالح عالمية مشتركة. وهذا لا يعني أنها تتدخل دون أن يكون لتدخلها هذا هدف أو مصلحة وطنية.

فمن حق أي دولة أن ترسم سياساتها الخارجية بما يتناسب مع مصالحها العليا، إذا كانت هذه المصالح لا تتضارب مع حريات الآخرين ومصالحهم. فتدخل دول الخليج في العراق وفي ليبيا وفي اليمن وفي سوريا وفي أماكن أخرى من العالم، هو نماذج لذلك التدخل الذي لا شك مرتبط بمصالح دول الخليج الوطنية والأخلاقية.

ليس التدخل السياسي والعسكري هو ما يدفع البعض إلى إثارة الأسئلة والاستفسارات، ولكن حتى المساعدات الخارجية ونوعيتها وزمانها، تثير لدى البعض التساؤل وتعطي مجالا واسعا للعديد من التفسيرات المغلوطة. فتفسر كل مساعدة إنسانية على أنها رشوة، وكل عون على أنه مقايضة من أجل مصلحة ما. حتى وإن حدث هذا، وهو شيء معمول به في عرف الدول منذ الأزل، فإن للدول أسبابا ومصالح من حقها مراعاتها والأخذ بأسبابها، إذا ما أرادت الاستمرار والتعايش مع الآخر والحفاظ على مصالحها الوطنية العليا. أحد أهم الأسباب لاستقرار المجتمعات في العالم، هو أن يمد كل من يستطيع المساعدة يده للآخر، وبالتالي لا يكون هناك محتاج أو جوعان أو متضرر.

ونتذكر هنا قولا لرئيس وزراء الصين عندما مدت الصين يدها لانتشال أوروبا من محنة ديونها، بأن "الصين لا تريد شراء أوروبا ولا تنوي ولا تملك القدرة على ذلك". تلك هي الصين القوية التي تدرك أن استقرارها واستمرارية نموها وتفوقها، إنما هو مرتبط بنمو واستقرار العالم المحيط بها والمرتبط بها، بحكم المصالح والروابط والآمال والتوقعات المستقبلية.

ففي إمكان الصين، مثلا، التركيز على نموها الداخلي دون الاكتراث بما يدور في أوروبا من مشاكل، ولكن الصين تدرك جيدا بأن استقرار العالم لا يتجزأ، وأن النمو العالمي هو وحدة واحدة، وأن السلام العالمي إنما هو سلام العالم بأسره. تلك هي الصين اليوم، وذلك هو دور الخليج اليوم ومستقبلا.