الإدارة السيئة للفترة الانتقالية في مصر، تجعلها تدخل أخطر مراحل هذه الفترة وهي في حالة من الارتباك والانقسام، نرجو أن تخرج منها بسلام.. أو بأقل الخسائر الممكنة.

خلال أسبوع واحد تبدأ الخطوتان الأساسيتان اللتان يفترض أن تكتبا كلمة النهاية للفترة الانتقالية، ليتم تسليم السلطة كاملة إلى حكم منتخب يبدأ الجمهوية الجديدة في تاريخ مصر. بالأمس فقط، بدأ العمل لتشكيل الجمعية التأسيسة لإعداد الدستور الجديد. بعد أسبوع واحد، سيفتح باب الترشيح لانتخابات رئاسة الجمهورية، ليكون لمصر رئيسها الجديد في نهاية مايو، إذا حسمت الانتخابات في الجولة الأولى، أو في 21 يونيو إذا كانت هناك جولة إعادة.

معنى ذلك بوضوح، أن المرشحين لرئاسة مصر سيتقدمون للمنافسة دون أن يعرفوا ما هي اختصاصاتهم في الدستور الجديد؟ وهل سيكون النظام القادم ـ وفقاً للدستور الذي سيتم إعداده ـ نظاماً رئاسياً أم برلمانياً؟ أم نظاماً مشتركاً كما ينادي معظم الأصوات؟

وما هي حدود هذه الشراكة؟ وهل سيكون الرئيس الجديد مسؤولاً ــ في الأساس ــ عن الشؤون الخارجية ورئاسة الوزارة عن الشؤون الداخلية.. أم أن سلطة الرئيس ستمتد إلى كل المجالات، وهو عامل هام في اختيار الرئيس؟ ثم ما العمل إذا لم تنته عملية إعداد الدستور الجديد قبل موعد الانتخابات، وهو الأرجح عند الكثيرين؟.. ساعتها سيتم انتخاب الرئيس وفقاً للإعلان الدستوري المؤقت بالاختصاصات الواردة فيه، ثم ينتظر ماذا سيقول الدستور بشأنه بعد ذلك..

كل هذا الارتباك كانت مصر في غنى عنه، لو استمع المسؤولون من البداية لصوت العقل، ولو لم تحدث "الخديعة الدستورية" في استفتاء مارس الماضي، واستثارة المشاعر الدينية من أجل تمرير التعديلات، باعتبار أن من يعارضها ليبرالي كافر أو يساري ملحد، بينما كان الخلاف حول نقطة أساسية واحدة، هي ما تضمنته التعديلات من انتخاب البرلمان والرئيس، ثم بعد ذلك إعداد الدستور!

مثل كل العالم، كان المطلوب إعداداً للدستور أولاً، والتوافق على شكل الدولة في النظام الجديد، ثم بعد ذلك اختيار البرلمان والرئيس عبر انتخابات تجري على أسس واضحة. كان الأمر في أعقاب الثورة ميسوراً، حيث التوافق على القضايا الأساسية كان يفرضه الميدان، وحيث لم يكن هناك هذا الانقسام الذي حدث بعد ذلك في ضوء صعود تيارات السلفية والإخوان المسلمين، بدءاً من المناداة بالدولة الدينية في مصر التي عرفت حياة ديمقراطية قبل قرن ونصف، أكدت على مدنية الدولة منذ أول دستور صدر قبل نهاية القرن التاسع عشر!

فاتت الفرصة في أعقاب الثورة، في مناخ التوافق الذي كان سائداً بين القوى التي شاركت فيها. بعد الاستفتاء سارت الأمور في طريق الانقسام. وعندما اكتشف الجميع أن إدارة الفترة الانتقالية بدون دستور سوف تعقد الأوضاع، كان طبيعياً أن يرفض الفريق الذي استفاد من هذه الأوضاع، أي تعديلات تضع قيوداً على حركته. هكذا فشلت كل محاولات "التوافق" على المبادئ العامة التي تحكم الدستور، وفشلت كل محاولات وضع معايير لتشكيل الجمعية التأسيسة التي تتولي وضع الدستور، وهي في يد البرلمان بمجلسيه (الشعب والشورى)، حيث الأغلبية لتحالف الإخوان المسلمين مع الأحزاب السلفية.

وهي سابقة جديدة تسجلها التجربة المصرية، حيث الأصل في كل تجارب العالم أن لجنة الدستور هي الأساس، هي التي يتم اختيارها أولاً، هي التي تضع قواعد النظام وأسس اختيار البرلمان، وليس العكس! والأصل أيضاً أن لجنة الدستور لا تخضع لحكم الأغلبية، بل تشارك فيها على قدم المساواة، كل القوى السياسية والمصالح الاقتصادية والرؤى المختلفة، ويتم وضع الدستور في النهاية بالتوافق وتمثيل كل المصالح والاتجاهات، بتقديم التنازلات من الجميع، وتوسيع مساحات الاتفاق ليكون الدستور معبراً عن الجميع، وإلا فإن أي أغلبية برلمانية في أي انتخابات قادمة ستغير الدستور بما يلائمها!

في غيبة أي قواعد لتشكيل لجنة الدستور، يصبح الأمر موكلاً للبرلمان، ورغم مناداة فقهاء الدستور بأن تكون اللجنة من خارج البرلمان، فإن الأغلبية البرلمانية ترفض ذلك، وتصر على أن تسيطر على اللجنة، رغم ما يقوله الفقهاء عن "تعارض المصالح".. فلجنة الدستور هي التي ستحدد اختصاصات البرلمان، وهي التي ستقرر هل تبقي على نسبة الخمسين في المائة للعمال والفلاحين المقررة حالياً أم تلغيها، وهي التي ستقرر هل يبقى مجلس الشورى أم تتم الاستجابة للمطالبين بإلغائه، أم على العكس تقوم بتوسيع اختصاصاته؟ فكيف يتم ذلك إذا كان أعضاء البرلمان (أصحاب المصلحة) هم أنفسهم أعضاء اللجنة التي تضع الدستور؟

ثم أضيف أخيراً عاملاً آخر، حيث أصبح البرلمان (بمجلسيه) مهدداً بالحل، بعد أن رأت المحكمة الإدارية العليا أن الانتخابات على ثلث المقاعد (الفردية) يشوبها البطلان، ورفعت الأمر للمحكمة الدستورية التي ينتظر أن تصادق عليه. وبالتالي يصبح حل المجلسين النيابيين حتمياً.. وهو ما يطرح التساؤل حول شرعية قيام المجلسين باختيار لجنة الدستور!

والموقف الآن يعكس حصيلة عام من الإدارة المرتبكة للفترة الانتقالية، حيث تبدأ المنافسة على رئاسة الجمهورية، التي يفترض أن تكون الخطوة الأخيرة لانتقال السلطة إلى الهيئات المدنية، بينما الدستور الجديد لم يتم إعداده. ولا أحد يعرف متى ينتهي العمل فيه! والتوافق على نظام الحكم ما زال بعيداً، ولا أحد يعرف إذا كانت الجمهورية القادمة ستكون برلمانية أم رئاسية.

الحقيقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها، هي أن الفترة الانتقالية الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن انتخابات الرئاسة (في ظل الظروف الحالية) يمكن فقط أن تنهي فترة الارتباك، وأن تعيدنا إلى نقطة الصفر! وهو أمر يستلزم التوافق على أن نعتبر المرحلة الجديدة مرحلة مؤقتة لمدة عام أو اثنين، ينتهي بعدها عمل الرئيس والبرلمان، ويكون الدستور الجديد جاهزاً، والمهام الحقيقية للمرحلة الانتقالية قد أنجزت. بدون ذلك ستواجه مصر مرحلة جديدة من الصراعات، تبدأ بانتخاب رئيس لا يعرف اختصاصاته.. ولا نعرفها نحن!