لولا الترجمة لكنا لا نزال نعيش في العصور المظلمة، بالمعنى الحرفي لهذا التعبير. وقلة منا سمعت بأسماء مترجمين لأعمال من تأليف أدباء مثل كتّاب الدراما الإغريق.
أو الروائيين الروس، أو الروائيين اليابانيين المعاصرين، أو الروائي الإسباني سرفانتس أو الكاتب البرتغالي بيسوا، وغيرهم من الكتاب الذين ألفوا باللغة السنسكريتية أو غيرها من اللغات الهندية، أو سمع بالشخص الذي قدم للغة الإنجليزية ذاك الكتاب الصغير الكلاسيكي للقراءة، المكتوب باللغة الآشورية، ملحمة غلغامش.
ومع ذلك، فإنه لأمثال هؤلاء الناس ذوي الأسماء التي لا نستطيع أن نتذكرها أو لم نعرها اهتماماً، ندين بتمتعنا بكلاسيكيات الأدب العالمي الكبرى. وتلك الترجمات قام بها رجال ونساء بذلوا الكثير من وقتهم لدراسة لغات أجنبية، وهم يمتلكون ناصية لغتهم الأصلية، التي تسمح لهم بإصدار ترجمة مخلصة للنص الأصلي، بالإضافة لكونها مفهومة وممتعة للقراءة، بزيها الجديد الذي ألبسوها إياه.
وبالنسبة لأولئك الذين بقوا بمنأى عن معاناة محاولة إنجاز ترجمات لكتب من اللغة الأجنبية، فإنهم يتوهمون أن الأمر مجرد مسألة إحلال كلمة مكان أخرى. وقد اعتقدت ذلك في وقت من الأوقات، إلى أن قمت بإصدار ترجمة المجلد الأول من القصص القصيرة لشخص كتاباته تسهل ترجمتها نسبياً، وهو الأديب المصري محمود تيمور، الذي يطلق عليه لقب "أبو القصة القصيرة".
وكنت، طبعاً، سعيداً تماماً بالطريقة التي قدمت بها هذه الحكايات البسيطة الواضحة إلى اللغة الإنجليزية، وقد قمت بتمرير المخطوطة إلى صديق، ربما من أجل أن أستمتع بالاستماع إلى بضع كلمات مجاملة حول ترجمتي، وكنت حريصاً على أن لا ألتمس رأي أحد يجيد اللغة العربية، في حال أراد المماحكة معي حول المعنى الصحيح الأصلي للنص.
لكن عندما أعاد صديقي، في وقت لاحق، المخطوطة حسب الأصول، مع بعض ملاحظات المجاملة مشيراً فيها إلى القدر الذي وجد فيه هذه القصص ممتعة، وأضاف إنه لم يكن سعيداً تماماً ببعض الترجمات، مدوناً ملاحظة مفادها أن بعضاً منها لم يكن له معنى باللغة الإنجليزية.
طلبت منه إعطائي مثالًا على ذلك، بعد أن جفلت من انتقاداته، وهذا ما قام به على الفور، ولقد أجبته مباشرة بما اعتبرته إجابة لا يمكن دحضها، خصوصاً بالنسبة لشخص لا يفقه كلمة واحدة من اللغة العربية، بالقول له إنني كنت أترجم من اللغة العربية، وإن هذا بالتحديد ما أفصحت عنه تلك اللغة.
وكان جوابه على ذلك أنه لا يلقي بالًا البتة لما تقوله اللغة العربية، حيث إنه لا يعرف أي كلمة منها، وإن ما يهمه هو وجود ترجمة تقرأ جيداً باللغة الإنجليزية.
فقلت له بخنوع: "دعني ألق نظرة أخرى على ترجمتي"، مقراً بأنه ربما قد يكون هناك بعض الحقيقة في ما قاله. وفي الواقع، فإن صديقي أشار إليّ، في فترة مبكرة في مهنتي كمترجم، إلى تلك الحقيقة الأساسية.
ومفادها أن الترجمة لا يجب أن تكون مجرد إحلال كلمة محل أخرى. ففي الترجمة، يتعامل المرء، ليس فقط مع كلمات مختلفة لأشياء مختلفة، لكنه أحياناً كثيرة يتعامل مع لغات تمثل ثقافات مختلفة كلية، وطرقاً في التعبير عن الأشياء تختلف تماماً.
فبعض الثقافات ليست أكثر تطوراً من غيرها فحسب، وإنما أيضاً قد تختلف في فلسفاتها الأساسية حول الحياة. والثقافات بالتالي، يمكنها أن تستفيد فقط بتعرضها لثقافات أخرى عبر الترجمة، وأن المترجم من خلال معرفته الفريدة بثقافة لغة من اللغات لم يجر تقديمها من قبل، على سبيل المثال عبر الترجمة إلى اللغة العربية، يخدم ليس اللغة التي يقوم بالترجمة منها فقط، وإنما بشكل أكثر مباشرة، اللغة التي يقوم بترجمة نص غير معروف إليها حتى هذه اللحظة.
وأذكر ذات مرة، عندما كنت ألقي محاضرة عن موضوع الترجمة في جامعة عربية خارج مصر، أنه جرى انتقادي لترجمة عنوان المسرحية الأشهر لتوفيق الحكيم "السلطان الحائر" بـ"مأزق السلطان" The Sultans Dilemma. وقيل لي إن العنوان بالعربية يتألف من صفة لهذا الاسم، وإن الترجمة يفترض فيها أن تتبع الأصل وأن يجري تقديمها، على سبيل المثال، تحت عنوان "السلطان الحائر" The Perplexed Sultan.
ألم أتصرف بحرية، بترجمة العنوان بالطريقة التي قمت بها، على نحو لا يدخل ضمن نطاق مهام الترجمة؟ ربما سيقول منتقدو ترجمتي إنه يفترض أن أترجم العنوان على شكل The Sultan The Perplexed، وأن أتجاهل حقيقة أنه في العربية توضع الصفة بعد الاسم الذي تصفه.
وهذا ليس السبيل الذي تقدم به اللغة الإنجليزية. والمترجم، من وجهة نظري، ليس مجرد آلة عليه أن يتبع بشكل أعمى قواعد أساسية معينة، بمعزل عما إذا أفضت هذه الترجمة إلى تقديم ناجح للمعنى الأصلي في اللغة التي يجري تحويله إليها.
دعوني أعطكم توضيحاً آخر من ترجمتي لعنوان رواية لنجيب محفوظ على شكل "أيام وليال عربية" Arabian Nights and Days، في حين أن العنوان الفعلي يقرأ "ليالي ألف ليلة"، والتي إذا ترجمت كما هي يجب أن تقرأ "ليالي ألف ليلة" The Nights of a Thousand Nights.
وعندما يواجه المترجم مثل هذا العنوان، يجب في رأيي، أن يأخذ في الاعتبار أن هذا الكتاب الكلاسيكي العربي العظيم، معروف في اللغة الإنجليزية بـ"الليالي العربية" Arabian Nights، وأن عالماً في اللغة العربية فقط بإمكانه أن يميزه إذا أعطي العنوان "ألف ليلة" The Thousand Nights.
وبالتالي، فإنه بإعطائه العنوان الذي ارتأيته "أيام وليال عربية"، أكون فقط أعطيت عنوان الكتاب معناه كما هو باللغة العربية، وبشكل يمكن قارئ اللغة الإنجليزية العادي من أن يتعرف عليه، في الوقت الذي شعرت أن الترجمة الحرفية للعنوان "ليالي ألف ليلة"، لا تشير إلى أصل عنوان الرواية الأصلي وفحواها للقارئ الإنجليزي العادي.