يبدو أن العبث السياسي لا يزال مستمراً في العديد من الأقطار العربية، بالرغم من اختلافات المسميات، سواء كانت تحمل اسم الجمهورية، وهي بلا جمهور، أو غيرها من المسميات التي أهلكت الإنسان بالدرجة الأولى، ومن ثم قضت على كل فرصة للنمو أو التنمية أو حتى التحرك سواءً على نحو الأعلى أو في بعض الحالات إلى الأسفل، وفي كلتا الحالتين هنالك حراك وهو يعني سقوط بعض الفئات الاجتماعية أو بروز فئات جديدة.
إن مرور ما يقارب نصف قرن من تاريخ الشعوب، هي في الواقع خلق حالة من اليأس والعودة إلى المربع الأول من حلم النهضة العربية.
لقد ساهمت انقلابات النخبة سواءً العسكرية أو غيرها في إجهاض أحلام «الأمة» في مواكبة التطور التدريجي والمضمون ضمن تشكل فئات أو طبقات اجتماعية تسهل عملية الحراك الاجتماعي بصورة سلمية.
لقد تم تدجين حاملي رايات التقدم، والقوى المساعدة في إطار يبين أن هنالك قوى خفية تخطط، وإن هنالك من ينفذ من دون عقل أو وعي حقيقي، وفي حالة أخرى مع سبق الإصرار.
كانت الانقلابات العسكرية في أغلب الدول العربية وربما في دول العالم الثالث، هي الأداة التي رفعت شعارات كبيرة وبراقة، مثال الحرية والقضاء على الأمية، ومساواة المرأة بالرجل، إلا أن القمع استمر عليها، وأعادها إلى الغرف المغلقة، وجعلها عورة من العورات، وبات النقاب هو السائد.
وازدادت المتاجرة بملابسها الجديدة، سوقاً جديداً يدر على أصحابه الملايين من الدولارات، إلا أن الوصول للسلطة والتمتع بخيراتها، جعلها تمارس أساليب قديمة في التفنن بالتعذيب، وازدياد النزعة السادية لديها.
وتلذذها في تعذيب المخالفين حتى لو كانوا في نفس الخندق. إن مشاهدة البؤس الذي يعيشه العراق، وليبيا، ومصر، واليمن، هي بمثابة مسلسل تلفزيوني يومي، مفروض على من يجلس هو وأفراد عائلته أمام جهاز التلفزيون، أو عبر شاشات جهاز الكمبيوتر، لم تعد هنالك وسيلة من وسائل المراقبة تحول دون عرض عذابات الإنسان، سواءً الأطفال أو كبار السن، أو حتى النساء.
إذا كان الخازوق، من أساليب التعذيب، فإن ذلك يعتبر وسيلة متخلفة، مما خلقته الأجهزة في الدول التي تدعي أنها مع الإنسان في تحقيق أحلامه، إلا أنها أبت إلا أن تخلق الكابوس الدائم في أن السلف خيراً من الخلف، لكن شتان بين المرحلتين، سواء الزمنية أو العلمية، وحتى تطور العقل الإنساني، بتعدد الثورات بدءاً من الثورة الفرنسية، والقضاء على هيمنة الكهنوت المسيحي، والتي ربما يقتبس به غيرهم من الأديان.
لقد مرت هذه الشعوب بالعديد من التجارب، والمصاحب لها فقدان الإنسان لكرامته، وعزته بل وفقدت الإحساس بقيمة العرض، وكأن مقولة العرض قبل الأرض، أصبحت مقولات ضمن كتابات ألف ليلة وليلة، أم أنها فقدت قيمة هامة من القيم الأخلاقية، والتي هي قارب النجاة من الهلاك، ألا يدرك أولئك الطغاة، أن السماء تستجيب لدعوة المظلوم ولو بعد حين.
لعل المأزق الأكبر في تلك التغييرات، عدم امتلاكها لبرنامج ما بعد الانقلاب، أو أنها تؤدي دوراً في تحقيق تقارير المخابرات البريطانية في القرن الماضي، والتي أكدت على أن التطور التدريجي والتقدم خطوة خطوة هو النموذج السائد في دول الخليج، وإن الدول الأخرى خاصة ذات السمة الانقلابية ستصل إلى طريق مسدود، فلا هي حققت الخلاص للإنسان من التخلف والفقر والجهل، ولا هي التي أعطت نموذجاً للحلم العربي، وبذلك ساهمت في تعطيل التقدم، وخلقت نموذجاً مسخاً، وستذهب إلى مزبلة التاريخ، إلا أنها جرّت وأغرقت معها كل من لا يقرأ التاريخ بشكل صحيح.
تلك الشخصيات هي نموذج لمن يحاول أن يعرقل المسيرة، وهم فعلاً ساهموا في العرقلة وأحرقوا بلدانهم، كما حرقت روما ذات يوم، أو تفكك الاتحاد السوفيتي على يد جورباتشوف.
إن على العقلاء والمفكرين، دوراً في ترسيخ دولة المؤسسات، ويجب التأكيد على الإنسان في الأساس كمواطن وليس جزءاً من الرعية، وأن القائد الحقيقي هو الذي يقود البشر نحو بر الأمان، وليس ذلك الذي يقود الماشية، وينسى الذئاب المحيطة به من كل الجهات.
ويجب العمل لأن يرفع الإنسان رأسه عالياً كشموخ الجبال، وفي هذا تحقيق لكرامته.