في زيارة للولايات المتحدة مؤخرا للاشتراك في ندوة أكاديمية، كان الموضوع هو ما يسميه الأميركيون "الربيع العربي". والحقيقة أنني حرصت في تلك الندوة، على أن أعلن أنني لا أحب تعبير الربيع العربي، ولا أجده مناسبا على الإطلاق لوصف ما حدث ويحدث في العالم العربي.

والسبب الرئيسي عندي، أن هذا التعبير فيه تعال غير مفهوم على شعوب عظيمة، راحت تغير مستقبلها بشجاعة وإقدام. فهو تعبير يتجاهل الفاعل تماما، ويتحدث عن الحدث وكأنه مبني للمجهول! فأنت تسمع تعبير "الربيع العربي" هذا، فلا تجد أثراً للشعوب التي ضحت بالدماء والأرواح من أجل الكرامة والحرية.

فالربيع يحل كل عام ولا دور للبشر فيه على الإطلاق، بينما ما جرى في بلادنا كان بفعل فاعل هو الشعوب العربية. ثم إن استخدام الربيع تحديداً، مفهوم غربي بامتياز. فالربيع الذي يرتبط في أذهان الأميركيين بالدفء النسبي وتفتح النباتات والزهور بألوانها المبهرة، يرتبط في أذهان المصريين مثلا بالعواصف الترابية ورياح الخماسين وموجات الحرارة المفاجئة والتقلب في الطقس. أي إن فصل الربيع في الغرب عموماً، لا يماثل فصل الربيع عندنا، ومن ثم لا يجوز أن نصف حدثا عربيا بكلمة لها دلالاتها في بلاد غير بلادنا.

حين عرضت وجهة نظري تلك، سألني الحاضرون، فبماذا نسمي إذن ما جرى في مصر؟ فقلت: إن ما حدث في مصر "ثورة"، وليس مجرد هبوب رياح ربيعية منعشة كالتي تمر على ولاية فرجينيا، وإن كنت أعرف أنكم (أي الأميركيين) تتجنبون أصلا استخدام تعبير "الثورة" بفعل الثقافة السياسية الأميركية.

والموقف السلبي من مفهوم الثورة، يضرب بجذوره في عمق التاريخ الأميركي. فأثناء مداولات كتابة الدستور مثلا، كان من أهم ما خشيه القائمون على كتابته، ما أطلقوا عليه "حكم الرعاع"، أي أن تخرج الناس بنفسها غاضبة ثائرة من أجل مطالبها. ومن هنا، صمم القائمون على كتابة الدستور الأميركي، نظاما سياسيا يعطي للشعب الحق في الاختيار، ولكنه يضع ذلك الاختيار دوماً تحت سيطرة النخبة. وقد انعكس ذلك مثلا في الانتخابات غير المباشرة للرئيس، حتى يومنا هذا.

لكنني قلت في تعليقي أيضا، إن الثقافة السياسية الأميركية فيها من المكونات ما يدعم مفهوم الثورة، ولكن لا يتم التركيز عليه أبداً. فالثقافة السياسية الأميركية تحتفي أيما احتفاء بالثورة الأميركية، والرئيس الأميركي توماس جيفرسون، أحد أهم مؤسسي الدولة الأميركية، والذي كتب إعلان الاستقلال بعد الثورة، كانت له عبارة شهيرة قال فيها: إن "شجرة الحرية لا بد أن تروى من وقت لآخر بدماء الوطنيين والطغاة". لكن المفارقة أن الأكثر انبهارا بجيفرسون اليوم، هم الأكثر توجسا ورفضا للثورات عموما.

ولأنني في تلك الزيارة كنت في ولاية فرجينيا، فقد تحينت الفرصة لزيارة منزل جيفرسون وضيعته. ففي ظل ما يجري اليوم في بلاده، تستحق سيرة جيفرسون الكثير من التأمل.

أكثر ما يلفت انتباهك في منزل جيفرسون، هو الولع بالثقافات الأخرى. ففي قاعة الاستقبال الرئيسية، توجد خرائط لكل قارات العالم. وإذا تجولت في أرجاء المنزل، ستدرك فورا مدى ارتباط جيفرسون بالثقافة الفرنسية بالذات. فهو كان أول سفير لبلاده في فرنسا، لكن الواضح أنه تأثر فعلاً بالثقافة الفرنسية وأحبها، وصور صديقه الجنرال الفرنسي لافونت تملأ جدران غرفه كلها. وجيفرسون كان نهماً في القراءة، غزير الكتابة، يتحدث خمس لغات بطلاقة، وكان مولعاً بدراسة الديانات المختلفة؛ فاقتنى القرآن وكتب ما يسمى "إنجيل جيفرسون".

سألت نفسي؛ ماذا لو عرف جيفرسون أن بلاده صار فيها اليوم عداء واضح لكل ما هو فرنسي، بل وللثقافة الفرنسية تحديدا دون كل الثقافات الأوروبية؟ وماذا كان سيفعل إذا عرف أن في بلاده اليوم تياراً واسعاً يعادي الثقافة والمثقفين، بل وصار فيها أيضا سياسيون يفخرون بجهلهم بالعالم؟!

لكن الجانب المظلم من شخصية جيفرسون، كان أن الرجل الذي كتب بخط يده في إعلان الاستقلال أن "الناس جميعاً ولدوا أحراراً"، كان يقتني أعداداً ضخمة من العبيد. وهو بعد أن ماتت زوجته، ارتبط بواحدة من عبيده لأكثر من أربعين عاما، وأنجب منها ستة أطفال. ورغم أنه حرر لاحقا من بقي منهم على قيد الحياة، إلا أنه لم يعترف بزواجه من سارة هيمنغز، ولا اعترف طبعاً بأولاده منها.

لكن ذرية أبنائه من هيمنغز صارت اليوم تطالب بحقها في الانتساب رسميا لجيفرسون، والاعتراف بهم كجزء من تاريخه الموثق، لأن علاقته بهيمنغز كانت ممتدة طوال فترة رئاسته للولايات المتحدة. ولا يزال الجدل دائراً حول تلك الأحقية، داخل أسرة جيفرسون من زوجته الأولى.

ولأن التاريخ يتأثر دوماً بمن يكتبه، فقد سألت نفسي: ماذا لو كان جيفرسون قد اعترف رسميا بأبنائه من سارة هيمنغز واشترك هؤلاء الأبناء في كتابة تاريخ جدهم الأكبر؟ هل كانوا سيلقون مزيدا من الأضواء على ولعه بالفكر والفلسفة والثقافات المختلفة؟ وهل كانوا سيركزون على مقولته عن الثورات التي تروي شجرة الحرية، كونهم تعرضوا لقهر العبودية وظلم العنصرية؟ ولو تخيلنا أنهم فعلوا ذلك فعلا، ألم يكن من الممكن أن نجد بين الأميركيين اليوم من يتحدث عن "الثورة" المصرية، بدلاً من التخفي وراء حكاية "الربيع" وفصول العام المختلفة تلك، للهروب من نطق كلمة "ثورة" أصلا؟!