يخفو بريق أية لغة عندما يخذلها أصحابها ويتشبثون بلغة أخرى؛ اعتقادا منهم أنهم بذلك قد ضمنوا مستوى أفضل من المعيشة أو بحثا عن وضعية اجتماعية أفضل، أو أن الحديث بلغات أخرى أكثر فائدة لهم وأعظم منفعة.

ولقد ظلت اللغة العربية المعاصرة لعقود غير قليلة، مدينة لما قامت به وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، من نشر ما يمكن أن نطلق عليه "فصحى العصر"، وهي لغة الإعلام أو العربية المبسطة القريبة من الناس، وهي تختلف عما يسميه اللغويون "فصحى التراث"، والتي لا يتقنها إلا العلماء وأهل الاختصاص.

 كما أن وسائل الإعلام مثلت النافذة التي تنسم منها القارئ والمشاهد عبير الفنون الأدبية من شعر وأدب، وأطل منها علينا عمالقة الفكر الذين جعلوا بيننا وبين لغتنا ألفة وحميمية، عبر ما قدّموه لنا بعمق وبساطة. وكان من المأمول منها أن تبقى رافدا من روافد نشر اللغة العربية البسيطة، وإزالة الحاجز بين الفصحى وبين أصحابها، فأضحت سببا في تعميق تلك الفجوة وبناء جدار عازل بينها وبين معظم ما يقدم عبرها، وخاصة في الإعلام المرئي والمسموع.

وآية ذلك، ملاحظة أسماء البرامج التي تذاع، دون النظر إلى المضمون الذي لا شك أنه لن يكون أفضل حالا من اسمه، فالأثر يدل على المسير والخطاب يظهر من عنوانه، مثل "أكشن كوره" أو"هيك حانغني".. وغيرها من برامج المنوعات، التي لا نعتبر الكثير من كلمات الأغاني المقدمة من خلالها خطأ فنيا من حيث الشكل ولغويا من حيث المضمون، بل تقترب من الخطايا الإعلامية والجرم الفني في حق المستمع والمشاهد.

خلال متابعتي لأحد البرامج الحوارية، أبدى الضيف دهشته من تحدث المذيعة بالفصحى قائلا: هل سيستمر ذلك طوال البرنامج؟ فإذا بها تبتسم وتقول له: هذا مقلب فعلناه بك.. وعادت أدراجها تتحدث بالعامية، وكأن الحديث في بعض البرامج الحوارية بالفصحى، أصبح من المقالب السخيفة التي يجب الإقلاع عنها!

كما أن لغة الإعلانات موغلة في العامية، حتى في ما ينشر في صحف عربية، حيث تعج بإعلانات على غرار: "الآن اشتر بالتقسيط بسعر الكاش". وكأن كلمة الكاش ـ التي ليست من الفصحى ولا من العامية ـ أقرب وأسرع فهما وأجمل جرسا من كلمة "النقدي". وهنا نخرج من دائرة العامية إلى دائرة التجهيل على اللغة العربية، حيث يعتبر البعض أن الاهتمام في الإعلام بالمعنى دون المبني، هو المبرر للتحدث بالعامية، سواء بداع أو بدون داع. وخلال تصفحي لبعض الصحف ـ والخليجي منها على وجه الخصوص ـ وجدت مقالاتهم موغلة في العامية مثل "فسفستوا فلوسنا"، وفي هذا خطر كبير.

أما عن واقع اللغة في الأعمال المسرحية، فالحال لا يختلف كثيرا؛ ففي كثير من المشاهد يتحدث الممثلون بلغة عربية فصحى بشكل منفر، وبطريقة تدعو إلى السخرية منها، ليستجدوا ضحكات الجمهور مهما كانت النتيجة.

زد على ذلك المعاناة التي نجدها حين يتحدث معظم مقدمي البرامج بالعربية الفصحى، فيقع في أخطاء بسيطة.. وأقول جازما، إن المذيع الجيد يعني بالدرجة الأولى لغة عربية سليمة. في بدايات رحلة الإعلام العربي، كان الكثيرون من رواده اللامعين والنابهين من خريجي كليات وأقسام اللغة العربية، التي كانت أحد أهم أسباب نجاحاتهم، فضلا عن المهارات الاتصالية الأخرى التي لا تغني أبدا عن عدم التمكن اللغوي، وهذا يؤكد أهمية إتقان طلبة كليات ومعاهد الإعلام للغة العربية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

فإذا كانت النسبة الأكبر من البرامج الدراسية لطلبة الإعلام تدرس باللغة الإنجليزية، فهذه مقدمة لنتائج محسومة سلفا، وهي تلك الغربة بين اللغة وأصحابها. لذا فمن الضرورة بمكان، أن تكون العربية هي اللغة المعتمدة لتدريس طلبة الإعلام؛ لأن خريجيها سيعملون في وسائل إعلام عربية، ومحررين يصوغون الأخبار باللغة العربية، ومتحدثين يستقون قواعد الإلقاء من اللغة العربية، فتخرج من أفواههم غضة نظرة وسهلة رقراقة كنسمات الصبح الندي.

هذا الواقع المحزن لحال لغتنا العربية في وسائل إعلامنا التقليدية، من صحف وإذاعة وتليفزيون، نتج عن تلك الردة اللغوية في الرموز التي يتداولها الآن بعض الشباب في المحادثة على شبكة التواصل الاجتماعي، والتي تتم خلالها كتابة العربية بحروف لاتينية، ويزيدون من الإبداع بيتا حين يستخدمون الأرقام، وكأننا نعيد دعوى بعض المفكرين من العرب والمستشرقين، حين طالبوا في بدايات القرن العشرين أن تكتب اللغة العربية بحروف لاتينية أو باللهجات المحلية، على غرار ما حدث في تركيا.

وهذه الدعوات وئدت في حينها، لغرابتها وعدم التفاف الناس حولها، فضلا عن المواجهة الشديدة التي لاقتها في زمن كانت اللغة عنوان الحفاظ على الهوية، خاصة وأن الشعوب كانت ترزح تحت نير الاحتلال. والملفت كذلك، أن بعض الآباء يتواصلون مع أبنائهم بهذه اللغة، عبر الشبكة التي تجعل انتشارها كما النار في الهشيم، بدلا من تصويبهم وإعادتهم إلى لغتهم الجميلة.

أيها السادة.. كيف تنتصر لغتنا العربية في المعارك التي خاضتها مع المستعمر في المشرق والمغرب العربي، ثم تتوارى على أيدي أبنائها؟ إننا بحاجة إلى أن تكون معاهدنا العلمية، والإعلامية بالدرجة الأولى، بلغتنا المنسية على يد أبنائها، خاصة وأن آباءنا علمونا أنه إذا هان عليك ولدك فسيكون عند الناس أهون. وهنا يجب ذكر المبادرة الطيبة لمعالي الدكتور سعيد سلمان الرئيس الأعلى لجامعة عجمان، حيث حرص على إنشاء هيئة النهوض باللغة العربية داخل أسوار الجامعة، وهي المعنية بقضاياها والتحديات التي تواجهها.

كما أن الإعلام بكافة وسائله، مدعو للحفاظ على اللغة العربية، من خلال وضع ضوابط تعيد إليها مكانتها وهيبتها، بدءا من الشروط الواجب توفرها في المذيعين ومقدمي البرامج، ومرورا بمستوى اللغة المستخدمة في البرامج والإعلانات، والتي لا ينبغي التساهل معها تحت ضغط الحاجة إلى مصادر مالية، وإلا أصبح دورها التنويري والتوعوي والتثقيفي في خبر كان، لا سيما وأنها تتميز بالمرونة والسخاء الذي يتيح لمن يستخدمها أن يجد ضالته في التعبير عما يريد، ومجاراة مقتضيات العصر بدقة وأصالة.

إنني أخشي من اليوم الذي يكون فيه القابض على اللغة العربية في وسائل إعلامنا، نفر قليل كالقابضين على الجمر، وإذا كان هناك من يشعر بالغربة في وسائل إعلامنا لأنه يصر على الحفاظ على اللغة العربية.. فإنّي أقول لهم: "طوبى للغرباء".