على خلاف ما استنتجت الدكتورة رفيعة غباش في بداية مداخلتها، وهي توجه الحديث للجالسين على المنصة، في الندوة التي نظمها المجلس الوطني الاتحادي الأسبوع الماضي في مقر ندوة الثقافة والعلوم في دبي، بمناسبة مرور أربعين عاماً على تأسيسه، لم يكن بين فريق المنصة أي اتفاق على التركيز على الإيجابيات والابتعاد عن السلبيات، وهو استنتاج اعترفت الدكتورة بعد ذلك أنه لا أساس له، لأنها تعرف أن ذلك لم يحدث.

الدكتورة رفيعة غباش، وهي من الوجوه المشرفة لأبناء وبنات الإمارات، بحسها الوطني العالي ومكانتها العلمية والاجتماعية الرفيعة، أرادت كما أبانت في مداخلتها، تسخين الحوار ورفع سقفه، فوجهت النقد إلى الحملات التي صاحبت انتخاب نصف أعضاء المجلس من قبل الهيئات الانتخابية في انتخابات عامي 2006 و2011، مستشهدة بما عايشته خلال فترة دراستها في بريطانيا، حيث لم تشاهد صور المرشحين البريطانيين تملأ الشوارع، كما حدث عندنا، وإنما كنت تسمع صوت عقولهم وهم يعرضون أفكارهم، مؤكدة أننا لا نريد النموذج العربي من الديمقراطية.

ورغم أنني، وقد كنت واحداً من فريق المنصة، أتفق مع الدكتورة رفيعة في ما ذهبت إليه من رفض النموذج العربي، والقديم منه بالذات، وأوافقها على التطلع إلى النماذج الأنضج من التجارب البرلمانية، إلا أنني أرى من الظلم أن نقارن تجربتنا التي أكملت بالكاد عامها الأربعين قبل أيام، بديمقراطية بريطانيا التي تمتد جذورها إلى القرن الثالث عشر.

عندما صدر البيان التاريخي الذي عرف بـ"العهد الأعظم"، واضطر الملك "جون" إلى التوقيع عليه، على خلفية الصراع الذي دار بينه وبين الطبقة الأرستقراطية التي أيدتها طبقات الشعب الأخرى، فكان بذلك أقدم وثيقة دستورية تقر بأن الشعب هو مصدر السلطة.

وإن كان الأمر قد احتاج إلى مئة عام من الصراع حتى تم تشكيل أول برلمان في بريطانيا عام 1326م، لم يكن هو نهاية المطاف، إذ استمر الصراع السياسي والديني، وتحول أحياناً إلى حروب أهلية، حيث لم تستقر الأمور إلا مع بداية القرن العشرين.

لا شك أن العمل البرلماني في دولة الإمارات قد شهد نقلة نوعية عام 2005، عندما أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، في الذكرى الرابعة والثلاثين لقيام الاتحاد، أن المرحلة المقبلة من مسيرة الدولة، وما تشهده المنطقة من تحولات وإصلاحات، تتطلب تفعيلًا أكبر لدور المجلس الوطني.

وتمكينه ليكون سلطة مساندة ومرشدة وداعمة للمؤسسة التنفيذية، وأكد سموه أنه من خلال مسار متدرج منتظم، تقرر بدء تفعيل دور المجلس الوطني عبر انتخاب نصف أعضائه من خلال مجالس لكل إمارة، وتعيين النصف الآخر، بادئين مسيرة تكلل بمزيد من المشاركة والتفاعل بين أبناء الوطن.

هذه النقلة في مسار العمل البرلماني التي أعلنها صاحب السمو رئيس الدولة، جاءت على مشارف مرحلة جديدة، غايتها تكريس مبادئ سيادة القانون وقيم المساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص، كما ورد في خطاب سموه، كانت أهم مظاهرها انتخابات عامي 2006 و2011، التي تَمثل من خلالها المسار المتدرج في مضاعفة عدد أعضاء الهيئات الانتخابية، وبقي بعدها المسار الأهم الذي تحدث عنه صاحب السمو رئيس الدولة في خطابه التاريخي عام 2005، وهو تمكين المجلس ليكون "سلطة مساندة ومرشدة وداعمة للمؤسسة التنفيذية".

وهو ما سيتأتى عبر تعزيز صلاحيات هذا المجلس وتحويله من مجلس استشاري إلى مجلس تشريعي، وهذا ما نعتقد أن القيادة السياسية تعمل على إيجاد الصيغة المناسبة لتنفيذه، مثلما فعلت في المرحلة الأولى من تعزيز المشاركة الشعبية عبر دورتين انتخابيتين، نعتقد أنهما قد استوفتا الغرض منهما.

خاصة وأن أمام المجلس الحالي أربع سنوات من العمل، نرى أنها كافية لإنضاج التجربة ووضعها في المسار الصحيح والمتطور الذي نتطلع إليه. لهذا صبّ أغلب مداخلات ندوة "المجلس الوطني الاتحادي من التأسيس إلى التمكين" في هذا الاتجاه، واتفقت على أن النماذج المحيطة بنا لا تتواءم مع طبيعة مجتمع الإمارات، كما أن النماذج البعيدة لا تتناسب مع عمر تجربتنا البرلمانية ومسارها المتدرج.

لقد قطعت دولتنا شوطاً كبيراً في مسارات كثيرة، أهمها مسار بناء الإنسان، والمسار الاقتصادي، والمسار التنموي، في ظل الوضع السابق للمجلس، دون أن يشكل هذا عائقاً يحد من حركة البناء والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي أصبحت مثالًا وقدوة للدول الأخرى، وقد تم هذا في إطار العلاقة الوثيقة بين القيادة والشعب، والثقة المتبادلة بينهما. وكما أن محدودية صلاحيات المجلس في المرحلة السابقة لم تحل دون قيامه بالدور المطلوب منه في تلك المرحلة، فإن تطوير هذه الصلاحيات سوف يسهم في زيادة التفاعل والتواصل بين القيادة والشعب، خاصة بعد أن تشكلت درجة من الوعي السياسي بين أفراد المجتمع تسمح بتطوير هذه التجربة، وأدرك الجميع أن التلاحم بين القيادة والشعب هو الضمانة الأساسية لاستمرار تقدم الوطن والمحافظة على منجزاته.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن المحيط الذي نعيش فيه يشهد تحولاً كبيراً يجب أن نتعامل معه، لكن أحداً لا يستطيع أن يزعم أن فكرة تمكين المجلس الوطني الاتحادي قد أتت نتيجة لرياح الربيع العربي التي تهب على المنطقة.

فقد جاءت دعوة صاحب السمو رئيس الدولة لتمكين المجلس الوطني الاتحادي وتفعيل دوره، قبل خمس سنوات من هبوب رياح الربيع التي عصفت بأنظمة جمهورية كانت تصف نفسها بالثورية والشعبية وترتدي مسوح الديمقراطية، وتتغنى باللجان الشعبية ومجالس الشعب المنتخبة، في الوقت الذي كانت فيه تلك الأنظمة تمارس أسوأ أنواع الديكتاتورية والانفراد بالسلطة. لذلك نجد أنفسنا في حل من شبهة التأثر برياح الربيع.

أو الخوف من مناقشة أمورنا الداخلية بالصراحة والشفافية اللتين تقتضيهما مصلحة الوطن، والتطلع إلى مستقبل لا يقل إشراقاً وبهجة عن حاضر الوطن الذي لا ينفصل عن ماضيه، عندما كانت مجالس الحكام برلمانات مفتوحة وأماكن لتبادل الرأي والمشورة، قبل أن نعرف البرلمانات والديمقراطيات بأشكالها الحديثة، الحقيقي منها والمزيف.