يعد الارتفاع في معدل التوظيف الذي شهده يناير الماضي خبراً جيداً، ولكنه يخفي خبراً أهم وأكثر مدعاة للقلق، وهو التراجع المستمر في حراك الطبقة الوسطى الأميركية.

ويندرج معظم الوظائف الجديدة التي يتم إنشاؤها، ضمن قطاعات الأجور الأدنى من الاقتصاد، مثل قطاعات التمريض والسكرتارية والوظائف المؤقتة والبيع بالتجزئة والمطاعم. ومن جهة أخرى، لا يزال ملايين الأميركيين يحتفظون بوظائفهم، لمجرد أنهم وافقوا على خفض أجورهم والمنافع المقدمة لهم.

في حين يرضى آخرون بوظائف برواتب أدنى من تلك التي كانت تقدمها الوظائف التي فقدوها. وتدفع وظائف التصنيع الأساسية الآن، نصف ما كانت تدفعه قبل ست سنوات. ويقع أميركيون آخرون خارج الطبقة الوسطى لأنهم فقدوا وظائفهم، والكثير منهم فقدوا منازلهم أيضاً.

وتصل نسبة الأميركيين الذين يعانون الفقر، إلى أعلى مستوى منذ عقدين من الزمن. ووفقا لتحليل لبيانات التعداد، صادر عن مركز دراسات سوق العمل في جامعة "نورث إيسترن"، فإن 37% من العائلات الشابة ذات الأطفال، كانت تعاني الفقر في عام 2010.. ومن المشكوك فيه أن ذلك المعدل قد تحسن.

ويقول ميت رومني، إنه لا يشعر بالقلق إزاء الأميركيين الفقراء للغاية، لوجود شبكات أمان توفر لهم الحماية، ويقول إنه يشعر بالقلق إزاء الطبقة الوسطى. ويبدو أن رومني يدرك كم من أفراد الطبقة الوسطى يصبحون فقراء، غير أنه لا يحب شبكات الأمان. فهو يتهم الرئيس الأميركي باراك أوباما بتشجيع ثقافة الاعتماد على الغير.

وقد قال مراراً وتكراراً: "على امتداد السنوات الثلاث الماضية، عمد باراك أوباما إلى استبدال مجتمعنا القائم على أساس الجدارة، بمجتمع يقوم على الاستحقاقات"، وذلك في إطار جداله بأن مشكلاتنا الاقتصادية تنبع من ارتفاع حاد في مستوى الاعتماد على الغير. تخلصوا من هذه الفوائد، وسيعمل الناس بجد أكبر.

ويشير هو وجمهوريون آخرون، إلى بيانات حكومية تظهر أن المدفوعات المباشرة للأفراد، ارتفعت بما يقرب من 600 مليار دولار منذ عام 2009، أي بزيادة قدرها 32%. وتصل الآن نسبة المنازل الأميركية التي يتلقى فيها ما لا يقل عن شخص واحد معونات اتحادية، مثل كوبونات الغذاء أو التأمين ضد البطالة، إلى 49%، ارتفاعا من 44% في عام 2008.

إلا أن رومني وغيره من الجمهوريين، ينظرون إلى السبب والمسبب بشكل معكوس، إذ إن السبب في ارتفاع الفوائد هو أن الأميركيين تعرضوا لضربة قاسية عام 2008، ولا يزال كثير منهم غارقين، ويحتاجون هم وعائلاتهم إلى أي مساعدة يمكنهم الحصول عليها.

والفضيحة الحقيقية، هي أن شبكات الأمان في أميركا صغيرة للغاية، وتتخللها ثغرات عدة، إذ إن نسبة العاطلين عن العمل المؤهلين للحصول على إعانات البطالة، على سبيل المثال، لا تتجاوز 40%، وذلك لأنها تستثني أولئك الذين لم يكونوا يعملون بدوام كامل أو لفترة كافية في وظيفة واحدة، قبل أن يتم التخلي عنهم. ولا يميز نظام البطالة أولئك الأميركيين الذين يعملون بدوام جزئي في وظائف عدة، ويتنقلون من عمل الى آخر.

ومن شأن مقترحات الميزانية التي طرحها رومني، أن تمزق شبكات الأمان بدرجة أكبر. ووفقا لتحليل صادر عن مركز الميزانية وأولويات السياسة الأميركي، فإن خطة رومني سترمي بـ10 ملايين من ذوي الدخل المنخفض خارج قوائم المستفيدين من كوبونات الغذاء، أو ستخفض قيمة الفوائد بألوف الدولارات في السنة، أو ستجمع بين الأمرين. وخلص المركز إلى أن: "هذه التخفيضات من شأنها أن تؤثر في المقام الأول، على الأسر ذات الدخل المنخفض جدا التي تضم أطفالاً ومسنين وذوي احتياجات خاصة".

وفي الوقت نفسه، فإن خطة الضرائب التي اقترحها رومني، سترفع دخل المواطنين الأكثر ثراء في أميركا، الذين يستولون بالفعل على حصة تكاد تكون غير مسبوقة من الدخل الإجمالي للبلاد. ويود رومني أن يمدد بشكل دائم، التخفيضات الضريبية التي فرضها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.

وأن يخفض معدلات ضريبة دخول الشركات، ويتخلص من الضريبة العقارية. ومن شأن هذه التخفيضات الضريبية أن ترفع دخل الأشخاص الذين يجنون أكثر من مليون دولار سنويا، بمتوسط يبلغ نحو 300 ألف دولار سنوياً، وفقا لمركز السياسة الضريبية غير الحزبي.

ومن خلال تخفيض الإيرادات الحكومية، فإن التخفيضات الضريبية التي اقترحها رومني ستضيّق الخناق على برامج الفقراء بدرجة أكبر، إذ إن تمديد تخفيضات بوش الضريبية سيضيف مبلغ 1,2 تريليون دولار إلى عجز الميزانية الأميركية في غضون سنتين فقط. وذلك هو المبلغ الذي يفترض أن يتم ادخاره عن طريق التخفيضات التلقائية في الإنفاق، التي من المقرر أن تبدأ العام المقبل، والتي، بالمناسبة، ستؤثر على الفقراء بصفة خاصة.

ويرغب رومني وغيره من الجمهوريين أيضا، في إلغاء قانون أوباما للرعاية الصحية، الأمر الذي من شأنه أن يترك 30 مليون أميركي دون تأمين صحي.

إن تراجع حراك أفراد الطبقة المتوسطة هو الخبر المهم، ولكن يبدو أن الحزب الجمهوري لم يسمع به. وربما يصعب السماع به من تلك المسافة البعيدة، ورومني بالتأكيد يقف بعيدا، إذ إن دخله الذي لم يحققه بعرق جبينه، تجاوز في العام الماضي 20 مليون دولار، وهو ما يضاهي تقريباً إجمالي دخول ألف أسرة أميركية تقف عند خط الفقر أو فوقه بقليل.