انتهت المباحثات بين قادة مصر برئاسة المشير طنطاوي وبين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي، من دون نتائج حاسمة حول القضايا المهمة التي جاء المسؤول العسكري الأميركي الأبرز لمناقشتها.

والتي تضمنت الأوضاع في المنطقة، وخاصة في سوريا وإيران، ولكنها تراجعت جميعاً أمام القضية الأهم، وهي العلاقات بين القاهرة وواشنطن، في ضوء أزمة التمويل الأجنبي لمنظمات العمل المدني، وإحالة عشرات المتهمين للمحاكمة، بينهم أميركيون منعوا من السفر.

وقد ألغى الجنرال الأميركي المؤتمر الصحافي بعد اللقاء، كما ألغى اجتماعاً كان مقرراً مع مجموعة من الإعلاميين، وطار إلى بلاده. كما تم الإعلان أيضاً عن إلغاء زيارة لقائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي جميس ماتيس، كانت مقررة بعد يومين من زيارة رئيس الأركان، لبحث تفاصيل ما اتفق عليه.. ربما لأنه لم يكن هناك شيء قد تم الاتفاق عليه!

ومع ذلك، وفي ظل مناخ لم تشهده العلاقات بين العاصمتين منذ أيام كامب ديفيد، كانت هناك خطوتان لافتتان عكس هذا التيار.. الأولى في القاهرة، حيث اجتمع المشير طنطاوي برئيس الوزراء الدكتور الجنزوري وعدد من الوزراء المختصين، ليصدر بياناً يشير إلى الحرص على العلاقات المصرية الأميركية وبحث وسائل تدعيمها!

ويبدو أن ذلك كان خطوة مطلوبة لكي تصدر الخطوة المقابلة في واشنطن، حيث تم الإعلان عن أن الرئيس الأميركي أوباما قد طلب رصد المعونة العسكرية لمصر بنفس قيمتها (1.3 مليار دولار) في ميزانية العام المقبل.

وفي الوقت الذي بدا أن جهود التهدئة تكسب أرضاً، كان الموقف يعود ـ بعد ساعات وليس أياماً ـ للاشتعال. الحملات الإعلامية من الجانبين بدأت تتصاعد، ورجال الكونغرس الذين كانوا في ما يبدو ينتظرون عودة الجنرال ديمبسي من القاهرة، استأنفوا نشاطهم وحديثهم الوقح عن وقف المعونة، رغم أن الجنرال نفسه ذهب إليهم ليقول إن قطع المعونة يضر بتحالف رئيسي مع شريك استراتيجي لأميركا.

في القاهرة كان الأخطر من جانب الدكتورة فايزة أبو النجا (وزيرة التعاون الدولي)، المسؤولة عن ملف المساعدات الأجنبية على مدى عشر سنوات، والتي أصبحت الآن "العدو رقم1" بالنسبة لجبهة التحريض الأميركية، حيث نشرت صحف القاهرة جانباً من شهادتها الخطيرة، التي أدلت بها أمام النيابة العامة في قضية التمويل الأجنبي والمنظمات الأميركية العاملة في مصر، والمتهمة بمخالفة القانون.

في شهادتها الخطيرة (وهي الدبلوماسية المتمرسة التي تعرف أن كلماتها ستحسب عليها)، تقول فايزة أبو النجا إن الثورة كانت مفاجأة غير سارة لأميركا خرجت عن سيطرتها، فجندت كل إمكانياتها لاحتواء الموقف. وأنها استخدمت التمويل السياسي كوسيلة لخلق واستمرار الفوضي، وأنه كان هناك إصرار أميركي واضح على إجهاض فرصة مصر في النهوض بعد الثورة، للحفاظ على مصالح إسرائيل.

هذا كلام يثبت ما قلناه سابقاً، من أن القضية أبعد من بعض المنظمات الأهلية أو بعض النشاط الأميركي الذي يتخفى وراء التبشير بالديمقراطية كالعادة.. القضية أكثر تعقيداً من ذلك، وأشد تأثيراً على أمن مصر واستقلالها. وإذا كان ما أعلن ـ حتى الآن ـ يتعلق بالتمويل الأجنبي لبعض المنظمات ومخالفتها للقوانين.

فإن ما تقوله الوزيرة أبو النجا في تحقيقات رسمية سمح بنشرها على الملأ، يثبت أن ما تحت يد القاهرة عن نشاط واشنطن لخلق واستمرار الفوضى وإجهاض الثورة، أخطر بكثير مما نشر حتى الآن. ولو لم يكن كذلك لما جاء رئيس الأركان الأميركي للقاهرة لتطويق الموقف، ولما سارع أوباما ـ رغم ضجيج الكونغرس والإعلام ـ إلى اعتماد المعونة العسكرية للعام المقبل، وسط الأزمة الطاحنة!

وما قالته أبو النجا هو أقسى ما وجه للسياسة الأميركية من مسؤول مصري رسمي، منذ كامب ديفيد وحتى الآن. وخطورته أنه يأتي من مسؤولة عاشت في المطبخ السياسي لسنوات، وعرفت ـ كما تقول ـ كيف كانت واشنطن تمارس الضغوط على نظام مبارك بحساب، لكي يحقق مصالحها دون أن يسقط، وهي المعادلة التي فشلت في النهاية أمام ثورة الشعب التي انحاز لها الجيش.

ملاحظة أخرى، وهي أن تصريحات الوزيرة جاءت في أكتوبر الماضي، وليست رد فعل على الأزمات الأخيرة التي واجهها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، علماً بأن المفترض أن تكون العلاقات بين القيادة العسكرية المصرية وواشنطن وثيقة، بحكم سنوات طويلة من التعاون الذي شمل السلاح والتدريب والمناورات المشتركة. ولكن الحقيقة تقول إن هذه العلاقة شهدت أزمات كثيرة حتى في عهد مبارك.

حيث رفضت القيادة العسكرية المصرية العديد من المطالب الأميركية، سواء بالمشاركة في عمليات عسكرية أو تقديم تسهيلات أو إقامة قواعد. كذلك كان هناك ما يتعلق بالتبني الأميركي للشكاوى الإسرائيلية، من أن "العقيدة العسكرية" لجيش مصر لم تتغير، وأنها ما زالت تقوم على أن الخطر الرئيسي على أمن مصر هو الخطر الإسرائيلي.

وفي تقديري أن ما أزعج أميركا ليس فقط السقوط السريع لمبارك ونظامه الذي كان يحظى بكامل تأييدها، ولا الخوف من صعود الإخوان المسلمين الذين منحوها مسبقاً كل التعهدات المطلوبة، بالالتزام بالمعاهدة مع إسرائيل والتسهيلات للسفن الأميركية في قناة السويس واتفاقية "الكويز" وغيرها من الاتفاقات التجارية.

ولكن المزعج كان هو عودة مصر إلي محيطها ودورها العربي، وتحررها من قيود التبعية للسياسة الأميركية التي خسرت بسببها الكثير. ولهذا كان الإصرار الأميركي ـ كما تقول الوزيرة أبو النجا ـ على إجهاض فرصة مصر في النهوض بعد الثورة، للحفاظ على مصالح إسرائيل!

وقد تنجح جهود التهدئة بين الطرفين أو لا تنجح، ولكن الأزمة ستظل تلقي بظلالها على العلاقات بين واشنطن والقاهرة، حتى يكون هناك حل صحيح يعيد ترتيب العلاقات بين البلدين على أسس جديدة. وحتى يحدث ذلك، ينبغي التأكيد على أن مصر لا يمكن أن تكون الساعية ـ في ظل الظروف التي تمر بها ـ لخلق الأزمة أو تصعيد الموقف.

وأنها صبرت طويلاً على مخالفات كان يمكن التساهل بشأنها. وحتى عندما فجرت الأزمة فقد اكتفت بالتعامل ـ حتى الآن ـ بملف المنظمات الأميركية ومخالفة قوانين العمل، ولم تفتح باقي الأوراق الخاصة بالتآمر لخلق واستمرار الفوضى في مصر!

مصر تعرف أنه ليس من مصلحتها، خاصة في الظروف الراهنة، أن تستعدي الولايات المتحدة الأميركية، وهي تعرف أن المعونة التي تتلقاها لا تساوي الكثير، ولا يمكن أن تكون مبرراً للقبول بالمساس باستقلالها. وقد سبق أن طلبت القاهرة الاستغناء عن الشق الاقتصادي من المعونة، ورفضت أميركا لأنها تستفيد أكثر.

ومصر تعرف أن الاستغناء عن المعونة الأميركية، ستقابله أميركا بفرض المزيد من الضغوط على المؤسسات الدولية، وعلى الدول الأوروبية وغيرها، لعدم مساعدة مصر على المرور من الظروف الحالية. ولكن بالطبع إذا اضطرت القاهرة فستفعل، وستتحمل!

جانب آخر أهم وأخطر، ينبغي الالتفات إليه. إذا كان هناك إصرار أميركي واضح على إجهاض فرصة مصر في النهوض بعد الثورة، للحفاظ على مصالح إسرائيل، كما قالت الوزيرة أبو النجا في شهادتها الرسمية المهمة، فإن إسرائيل نفسها لن تنتظر ساكتة.

وهي ترى أن أمام مصر فرصة للنهوض. وعلينا أن نراقب ما يحدث في سيناء جيداً، وأن نتذكر ماذا فعلت إسرائيل بعد ثورة 52 لقطع الطريق على نهوض مصر ومحاولة عزلها عن باقي الأمة العربية!!