من يريد أن يعرف كيف ستتأثر السياسة الأميركية إذا ما فاز أحد الجمهوريين المرشحين للرئاسة، عليه أن يتابع ليس فقط مواقف المرشحين المتسابقين، وإنما أن يراقب أيضا السياق الذي تجري فيه الانتخابات نفسها.

وفي الحملة التمهيدية الحالية التي تنتهي باختيار المرشح الجمهوري الذي سينافس أوباما، من المهم للغاية العناية بالمناخ العام الذي تتم فيه الانتخابات.

فالفائز بترشيح الحزب سيتأثر بالمزاج العام في حزبه تأثرا كبيرا طوال حملته الانتخابية، ثم عند توليه الرئاسة، لأن قواعد الحزب وقواه المختلفة، هي التي ستعيد انتخابه. والمناخ الحالي داخل الحزب الجمهوري، معبأ بالتطرف وحافل بكل أشكال العنصرية. والمؤشرات كلها تدل على أن الحزب الجمهوري، يزداد تطرفا عاما بعد عام.

فعلى مدى أربعة أيام انعقد في واشنطن المؤتمر السنوي لـ"اللجنة المحافظة للعمل السياسي"، وهي لجنة تتبع منظمة يمينية كبرى هي "اتحاد المحافظين الأميركيين". ومؤتمر اللجنة هو موعد سنوي للقاء السياسيين والرموز البارزة في الحزب، وهو بمثابة مهرجان يتم فيه شحن طاقة الشباب المؤمنين بالفكر المحافظ، والاستعداد لخوض الانتخابات.

وقد حضر المؤتمر هذا العام مرشحو الرئاسة عن الحزب، وعدد كبير من الجمهوريين الذين يشغلون مواقع سياسية. لكن تحت سمع وبصر كل هؤلاء، اعتلى المنصة عدد ضخم من المتحدثين المعروف عنهم عنصريتهم الشديدة وتطرفهم الفج. فعلى سبيل المثال، وتحت عنوان "فشل التعدد الثقافى: كيف يضعف السعي لتعددية الهوية الأميركية"، تحدث عدد من الرموز المعروفة بمواقفها شديدة التطرف.

واختيار العنوان أصلا له دلالة بالغة السلبية، ففي بلد قام أصلا على الهجرة من شتى أنحاء العالم، يتم اعتبار التعددية إضعافا للهوية! وهي فكرة لا يناصرها في أميركا إلا الذين يضمرون عنصرية بغيضة، أو المعادون للمهاجرين الجدد.

وبالفعل، فإن أول المتحدثين كان بيتر بريملو، المعروف بمواقفه العنصرية المعادية للمهاجرين من غير البيض. فهو يحذر مثلا من "تلويث" الولايات المتحدة بالمهاجرين "غير البيض الذين يتحدثون الإسبانية ويدينون بالكاثوليكية"، في إشارة واضحة للمهاجرين من دول أميركا اللاتينية. وبريملو صاحب كتاب شهير عنوانه "أمة من الغرباء" (لاحظ العنوان)، يدعو فيه لإعادة النظر في قانون الهجرة، على نحو لا يسمح إلا بهجرة البيض إلى الولايات المتحدة الأميركية.

والحقيقة أن أحد الأسئلة المهمة لمن يتابع التطورات في الولايات المتحدة عن بعد، هو سؤال عن ذلك التناقض بين التعددية الهائلة في المجتمع الأمريكى الذي يضم مهاجرين من كل مكان في العالم، وبين مخرجات السياسة الخارجية. فكيف يمكن لمجتمع ينعم بتلك التعددية، التي تعني ثراء ومعرفة بالقطع في الدول التي جاء منها المهاجرون، أن ينتج سياسة خارجية تمثل كل هذا الصلف تجاه العالم وتنم في أغلب الأحيان عن جهل فاضح بثقافاته وأديانه؟ والإجابة عندي أن هؤلاء المهاجرين لا علاقة لهم بصنع القرار السياسي، فالسياسة الخارجية تصنعها نخبة بعينها، لا ينضم لها إلا من هو على استعداد للقبول بقواعدها، سواء كان من البيض أو من غير البيض.

ولم يتوقف الأمر في مؤتمر اللجنة المحافظة على رموز معادية للهجرة، ولم يكن الأميركيون من أصول لاتينية هم وحدهم المستهدفون من العنصرية، التي كشفت عن وجهها القبيح في مؤتمر الجمهوريين. فالمسلمون أيضا حظوا بنصيب وافر للغاية، حيث حضرت المؤتمر وتحدثت فيه، مجموعة من أكثر المتطرفين ضد المسلمين صفاقة وجهلا في الوقت ذاته. فقد دعي للمؤتمر فرانك جافني مؤسس مركز السياسات الأمنية، وأحد مؤسسي المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي. والمركزان لهما مواقف بالغة التطرف في دعم إسرائيل، وفي معاداة العرب والمسلمين. وجافني نفسه كان وراء التقرير الشهير الذي صدر منذ عام تقريبا، والذي يعتبر الشريعة الإسلامية هي التهديد الرئيسي لأميركا.

لكن جافني لم يكن وحده في المؤتمر، إذ صاحبته أيضا باميلا جيللر، التي كلما فتحت فمها نفثت سموم الكراهية ضد المسلمين. وجيللر هي المؤسسة لجماعة "أوقفوا أسلمة أميركا"، التي تروج لما تزعم أنه مؤامرة إسلامية "لتحطيم القيم الأميركية".

ولأن العنصرية لا تتجزأ، فإن الاتهامات التي توزعها جيللر ليست موجهة فقط للمسلمين، وإنما للرئيس أوباما ذي الأصول الإفريقية. فجيللر كانت واحدة من أهم الفاعلين في الحملة الشرسة التي انطلقت فور تولي أوباما الرئاسة، وزعمت أنه لم يولد على الأرض الأميركية، ومن ثم فإن توليه الرئاسة غير دستوري.

وجيللر تتهم أوباما أيضا بأنه مؤيد للإسلام، ومشجع على وضع الشريعة الإسلامية فوق القانون الأميركي! وقد وصلت هستيريا العداء للمسلمين بجيللر إلى حد تحذير الأميركيين يوم عيد الشكر- الذي يأكل فيه الأميركيون الديوك الرومية- من شراء الديوك المذبوحة وفق الشريعة الإسلامية، لأن طريقة ذبحها هي "أحد أشكال الجهاد المتخفي". ولم تتورع جيللر تلك عن الاحتفاء بالجنود الأميركيين الذين تبولوا على جثث الأفغان.

كل تلك العنصرية لم تحرك مسؤولا جمهوريا واحدا، ولا مرشحا رئاسيا واحدا، طوال المؤتمر ليطلق كلمة إدانة لهؤلاء ولمن سمح بحضورهم المؤتمر. وهو أمر ليس بمستغرب في واقع الأمر، في ظل المزاج العام السائد داخل الحزب.

والتطرف داخل الحزب الجمهوري لا يقتصر على تلك القوى التي ظلت طويلا هامشية وصارت اليوم في قلب الحزب، وإنما يمتد ليشمل المرشحين للرئاسة أنفسهم. فعلى سبيل المثال، تحفل تصريحات المرشح ريك سانتوروم بالعنصرية، خصوصا تجاه السود الأميركيين، وبالتقليل من شأن المرأة. أما نيوت غينغريتش فقد اعتبر أن الفلطسينيين "شعب تم اختراعه"، وقال إن الشريعة الإسلامية هي التهديد الرئيسي لأميركا.

تلك هي خريطة الحزب الجمهوري الأميركي وصورته في اللحظة الراهنة، وهي صورة قاتمة لم تتحسن منذ خروج بوش الابن من الحكم، إن لم تكن قد ازدادت تطرفا.