هل هو الزمان الذي استدار فتبدلت الأدوار، أم هي الأيديولوجيات التي تغيرت فتغير المسار، أم هي المصالح التي فرضت نفسها فأصبحت هي صاحبة القرار؟ أسئلة كثيرة تثيرها المواقف الروسية الأخيرة.

صحيح أن روسيا هي الوريثة الشرعية للاتحاد السوفييتي، الذي ولد من رحم الإمبراطورية الروسية، أو قام على أنقاضها بعد أن أصابها الوهن ومزق أوصالها، قبل أن ينهار هذا الاتحاد على يد البيريستروكيا التي أطلقها "غورباتشوف"، فكانت الرصاصة الأخيرة التي قضت على النظرية الشيوعية بعد سبعين عاماً من التطبيق.

لكنّ "فلاديمير بوتين" و"ديمتري ميدفيديف" ليسا هما الوريثين الشرعيين للنظام الذي انتهج تجاه بلدان العالم الثالث سياسة انفتاح وتفهم، وساعد شعوبها يوم أن كانت تلك الشعوب تتطلع إلى التخلص من الاستعمار والسيطرة الأجنبية، فكان له موقفه من العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام 1956 بعد تأميم قناة السويس، وقدم المساعدات لبناء السد العالي.

وكسر احتكار صناعة السلاح في المنطقة العربية، كما أنهما ليسا امتداداً لكل الرؤساء الذين جاؤوا بعد "ستالين" وقبل "غورباتشوف"، وواكبوا مسيرة الاتحاد السوفييتي الذي حافظ على توازن القوى، حتى لحظة انهياره التي انتهزها "بوريس يلتسين" للوصول إلى سدة الحكم في روسيا على ظهر دبابة.

لقد أعاد الفيتو الذي استخدمته روسيا والصين ضد مشروع القرار الذي تقدم به المغرب لمجلس الأمن بشأن الأزمة السورية، أجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، لكنّ هذه الحرب أخذت هذه المرة بُعداً مختلفاً، هو أقرب إلى استعادة الدولة الروسية هيبتها التي فقدتها خلال سنوات حكم "يلتسين" التسع، منه إلى الانطلاق من أيديولوجيتها التي لم يعد لها وجود على أرض الواقع.

أو لعله أقرب إلى المحافظة على مصالحها التي أصبحت مهددة، بعد أن فقدت حليفاً ظلت محافظة على الوقوف معه حتى النفس الأخير، هو النظام الليبي الذي ذهب بقرار أممي شبيه بالقرار الذي أحبطه الفيتو الروسي الصيني ضد سوريا، كي لا يتكرر السيناريو الليبي، فيجد الحليف السوري نفسه أمام موقف ربما لا يشبه الموقف الليبي في التفاصيل، لكنه يشبهه في النتيجة التي آل إليها النظام الليبي، بمساعدة الحملات التي شنها عليه حلف شمال الأطلسي.

ربما تكون التجربة الليبية بالنسبة لروسيا نموذجاً شعرت معه أنها قد خُدِعت، لكنه نموذج غير قابل للتطبيق الحرفي في بلد مثل سوريا، له ثقله الجيوسياسي وتحالفاته وتركيبته الطائفية المختلفة.

لذلك يصبح للفيتو الروسي ما يبرره في إطار هذه الظروف، لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بعد انتهاء هذا الفصل من مسار الأحداث، هو: إلى أي مدى يمكن أن تذهب روسيا في تأييدها لحليفها السوري، فيما لو تطورت الأحداث فتجاوزت القرار الأممي إلى تحرك قد لا يستند إلى قرار من مجلس الأمن محكوم عليه بالاصطدام بفيتو روسي أو صيني آخر، في المنظور القريب على الأقل؟

"بوتين" الرجل القوي كما هو معروف في روسيا، حاول تقديم تفسير منطقي للفيتو الروسي الذي أوقف العقوبات الأممية لسوريا، عندما حذر من أن العالم يواجه نوعاً من العنف المتزايد الذي يؤججه التدخل الغربي.

وهو ما يثير شبح وصول الربيع العربي إلى روسيا. ففي لقاء مع زعماء دينيين، وفق ما جاء في صحيفة "فايننشال تايمز" الأسبوع الماضي، حذر "بوتين" من أن موسكو يجب أن لا تدع ثورتي ليبيا وسوريا تتكرران في روسيا، وانتقد ما اعتبره تدخلًا غربياً في هذه الدول.

تعليقات "بوتين" هذه، جاءت بعد أن جهز الاتحاد الأوروبي المزيد من العقوبات ضد النظام الحاكم في سوريا، بما في ذلك حظر محتمل على الطيران التجاري، وتجميد أصول البنك المركزي، وحظر مبيعات الفوسفات الذي يعد أحد أهم صادرات سوريا لأوروبا، والمعادن الثمينة مثل الذهب.

الصحيفة البريطانية أشارت إلى أن الانتقاد الواضح للتدخل الغربي في الشرق الأوسط، يأتي في وقت يواجه فيه "بوتين" واحداً من أكبر التحديات لحكمه المستمر منذ اثني عشر عاماً، حيث خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع اعتراضاً على هيمنته على السياسة، وهو يستعد للعودة إلى الرئاسة في الانتخابات التي ستجري في شهر مارس المقبل.

"بوتين" المشغول بلعبة تبادل الأدوار التي يمارسها مع "ميدفيديف" بشكل سافر، قال إن الاحتجاجات ضده ترعاها مخابرات غربية تحاول زعزعة استقرار البلاد. وهي الحجة نفسها التي يتذرع بها حلفاؤه المتشبثون بالسلطة، الذين يسفكون دماء شعوبهم للمحافظة على عروشهم.

الأمر الذي يجيب عن أسئلة عديدة، من بينها تلك الأسئلة التي طرحناها في بداية المقال، إذ يبدو أنه لا الزمان هو الذي استدار لتتبدل الأدوار، ولا الأيديولوجيات هي التي تغيرت ليتغير المسار، وحدها المصالح هي التي فرضت نفسها هنا وهناك.

لكنها ليست مصالح الوطن، وإنما مصالح الذين يطبقون على أنفاسه وأنفاس أبنائه ويستنزفون خيراته، ثم لا يتورعون عن إزهاق أرواح من يحاول أن يتنسم عبير ربيع الوطن، أو يمتع ناظريه برؤية تفتح أزهاره، مرددين المقولة الشهيرة: "أنا ومن بعدي الطوفان".