لا شك أن جهود الحكومة الاتحادية وحرصها على تحسين وتطوير قطاع الخدمات الطبية، معروفة ومشهودة، فالإمارات مهتمة بتوفير أرقى خدمات الرعاية الصحية لجميع فئات المجتمع دون تمييز.

وميزانية وزارة الصحة للعام الحالي 2012، بلغت أكثر من 3 مليارات درهم، خصصتها الدولة لتطوير هذا القطاع الحساس والمرتبط بصحة البشر. وهذا الاهتمام نرجو أن ينعكس إيجابا على تطوير قطاع الخدمات الطبية، وأن تنخفض نسبة الشكاوى التي نسمعها والتي تؤثر سلبا، ليس فقط على سمعة ومستوى الخدمات الطبية في مستشفياتنا، ولكن على مجتمعنا بشكل عام.

لا نحتاج لاستقراء الأوضاع لمعرفة أوجه القصور في الخدمات الطبية، فقد احتاجت إحدى السيدات لفحص بالأشعة، فذهبت إلى مسشفى حكومي لتفاجأ بأن الموعد الذي أعطي لها بعد أربعة شهور. وبعد رفض قاطع لتقديم الموعد، بحجة أن هناك ضغطا كبيرا على مثل هذه الخدمات، ذهبت إلى شخص متمكن تعرفه، فما كان إلا أن قدم موعدها إلى ما بعد أسبوعين. سيدة أخرى احتاجت إلى استشارة طبيب عظام في مستشفى عام، فطلبت موعدا فأعطي لها بعد ستة شهور، فجاءت بواسطة فقدم موعدها إلى موعد آخر لا يتعدى الشهر.

هذه مجرد أمثلة بسيطة على ما يدور في بعض مستشفياتنا الحكومية، ولا نعرف هل القصور في الإمكانيات المادية أم الأخلاقية؟ فماذا يمكن أن يفعل الشخص المريض الذي لا يمتلك واسطة؟ من المؤكد أن ألمه سوف يزداد عندما يرى غيره وقد حظي بما لم يحظ به هو. ومن المؤكد أيضا أن ألم ذلك المريض النفسي، سيكون أكبر من ألمه الجسدي. فلا شيء يسبب ألما أكثر من الإحساس بالظلم وسلب الحقوق.

ولكن لماذا يلجأ الناس أساسا في مجتمعنا إلى الواسطة بشكل عام، وفي هذه الحالات بشكل خاص؟ هل تردي الخدمات الطبية هو سبب انتشار ظاهرة الواسطة، أم أن الواسطة هي التي ساهمت في إحداث خلل في مثل هذه الخدمات وغيرها من الخدمات العامة؟ وكيف نرد على أولئك المشكيكن والقائلين بأن مجتمعاتنا لا تسير أصلا إلا بالواسطة؟

وكيف يمكن تحقيق العدل والمساواة في تقديم الخدمات، خاصة للبسطاء الذين لا يمتلكون في الغالب إلا ألمهم وصوتهم؟ وكيف يمكن القضاء على مثل هذه الآفات التي هي دليل على وجود خلل مجتمعي كبير، يجب استئصاله إذا ما رغبنا في مجتمع عادل يتساوى فيه الناس في الحقوق والواجبات، وليس فقط في الواجبات العامة؟

هناك سببان يدفعان الناس عموما للجوء إلى الواسطة. السبب الأول، هو الرغبة في التميز والوصول السريع إلى الهدف، واجتياز آخرين ربما أحق وأكثر احتياجا منه.

وهناك شخص مغلوب على أمره، في احتياج حقيقي لخدمة ما، حرم منها لأن غيره استغل قدرته في إعطاء حق ذلك الإنسان البسيط لغيره، فيلجأ هذا الأخير إلى واسطة أخرى تعيد له حقه المسلوب. فالواسطة تجعل الأفراد يعيشون في دائرة بغيضة من نقل الحقوق من إنسان لإنسان، دون أن يتحرك الضمير العام لدى هؤلاء لرد الحقوق المشروعة لأصحابها.

والمعروف أن الواسطة أو ما يعرف محليا باسم "فيتامين واو"، موجودة في كل المجتمعات، ولكنها تظهر وتتجلى عند بعض الأفراد وفي الإدارات التي تفتقد الوعي بحقوق الناس العامة، ولا تعترف بالمساواة في الحقوق والواجبات المدنية، خاصة إذا ضعفت الرقابة وغابت المساءلة.

والواسطة آفة اجتماعية خطيرة, ومتى ما انتشرت كانت سببا في تفشي أمراض مجتمعية، وهي سبب رئيس للعديد من الآفات الأخرى. والمعروف أن المجتمعات الشرقية عامة والعربية خاصة، جميعها تعاني من تفشي هذه الظاهرة، بنسبة صغيرة أو كبيرة. فلا يوجد مجتمع يخلو من هذه الآفة التي هي أم الآفات.

وتعد المحسوبية والفساد سببا رئيسا للثورات العربية، فقد كشفت هذه الثورات حجم الفساد والمحسوبية المتفشية في تلك المجتمعات، وحجم الظلم الذي يصيب المواطن العادي غير القادر على الحصول على حقوقه الإنسانية البسيطة التي كفلها له القانون، إلا بواسطة.

إن تفشي الواسطة في المجتمع، هو دليل قوي على وجود خلل اجتماعي ما، ومرض اجتماعي مسكوت عن علاجه وتدارك آثاره, وأن تمتد هذه الظاهرة لتصل إلى الخدمات الطبية، فهو أمر أخطر ومقدمة لآفات مماثلة تنخر في جسم المجتمع.

إن مجتمعنا الساعي لإقامة العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، لا يجب أن تظهر فيه آفات مرتبطة بالمجتمعات المتخلفة. والدلائل جميعها تدل على أن هناك رقابة حكومية وإصرارا على إحقاق الحقوق، وأن هناك مساءلة ومحاسبة للمقصر في عمله والمتهاون في الحق العام، ولكن يبقى الضمير الفردي الذي لا يردعه عقاب ولا تخيفه مسؤولية. ووعي المسؤول بواجباته ومسوؤلياته العامة والوازع الدينى لديه، هو وحده الكفيل بالقضاء على مثل هذه الآفات.