كان للفيتو الروسي في مجلس الأمن (والفيتو الصيني أيضاً)، أثر مباشر على الأزمة السورية، وعلى أطرافها جميعاً. ويبدو أن هذا الفيتو أدى بجميع الأطراف إلى تعديل سياساتهم، بل تغييرها أحياناً في هذا الاتجاه أو ذاك.

فهمت السلطة السورية هذا الفيتو الذي منع مجلس الأمن من اتخاذ أي قرار يشجب أعمال السلطة، على أنه قرار يدعم سياساتها من قبل روسيا والصين، وعليه فإن هذين البلدين سيشكلان مستقبلاً سداً منيعاً أمام أي قرار دولي، سواء كان هذا القرار "لحماية المدنيين، أو إيجاد مناطق عازلة، أو ممرات آمنة، أم تقديم مساعدات إنسانية"، أم كان تدخلاً عسكرياً مباشراً في الشؤون السورية من قبل أية منظمة إقليمية أو دولية.

وفي ضوء ذلك صعدت السلطة السورية حلها الأمني للأزمة، الذي ما زالت تمارسه منذ ما يقارب العام، وحولته إلى حل حربي واضح وعنيف ودموي، من خلال نشر الجيش في الأحياء والقرى (مهما صغرت)، واستخدام مختلف أنواع الأسلحة، لمعاقبة الحراك الشعبي، وتدمير البيوت وممارسة الاعتقال والتعذيب والقتل.

 وقد أكد هذا الفيتو للسلطة السورية، أن سياستها مفهومة من بعض القوى العالمية، وأنها تعتبرها وجهة نظر هناك من يؤيدها في المجتمع الدولي، أولا يستنكرها على الأقل.

أما بالنسبة للحراك الشعبي، فقد زاد هذا الفيتو قناعته بأن الشعب السوري وحده هو القادر على خوض معركته، وأنه من غير الحكمة انتظار التدخل الخارجي، سواء كان عسكرياً أم غير عسكري، إذ حمل المتظاهرون السوريون في اليوم الثاني للفيتو، لافتات كتب عليها: "ما حك جلدك مثل ظفرك".

إضافة إلى أنه حرّض بعض المتظاهرين المتطرفين على تأكيد القناعة لدى هامش غير قليل منهم، بأنه أمام عنف حل السلطة الحربي وإجراءاتها القمعية، لا بد من حمل السلاح ومواجهة القوات العسكرية والأمنية بنفس وسائلها، لأن هذه السلطة، حسب وجهة نظرهم، لن تخفف إجراءاتها العسكرية أمام المظاهرات السلمية، مهما كان حجمها، إلا بمواجهة مسلحة، خاصة .

وأن المبادرات العربية والدولية هي بدون جدوى، في رأي هؤلاء المحتجين، وأن حمل السلاح أصبح مبرراً ووسيلة مشروعة للدفاع عن النفس وللمطالبة بالحقوق، وبالتالي فإن استخدام المنتفضين هذه الوسيلة، يعني أن الحرب الداخلية قد بدأت فعلاً، وإن أخذت في البداية طابع حرب ضد السلطة، فإنها كما يرى المراقبون، ربما ستتطور إلى حرب أهلية، لأن السلطة السياسية السورية لن تغير وسائلها العنفية هذه، وبالتالي فليس أمام المنتفضين إلا السير في طريق التسلح.

لقد أدت هذه الظروف الطارئة بعد الفيتو، إلى تقوية الرؤوس الحامية داخل السلطة، وأصبح القرار الداخلي في يد عدد أقل من الأفراد هم الأكثر تطرفاً، مثلما أدت، من طرف آخر، إلى دعم رأي المتطرفين في الحراك الشعبي الداعين إلى حمل السلاح، والاستسلام لعاملي الفعل ورد الفعل. وهكذا بدأ تصاعد غير حكيم، رافقه تطرف من كل الجهات.

وزيادة الانشقاقات في الجيش، واستغلال فئات عديدة هذا الحال لنشر الفوضى و"التشبيح" والخطف، فاستغل النظام ذلك ليلقي بالمسؤولية على المنتفضين والثوار، ويزعم وجود تسليح أجنبي لهم، وعصابات تدعمهم، ومساعدات أجنبية وعربية مالية وتسليحية يتلقونها، ووجود قوى سلفية تعمل معهم، بما في ذلك عناصر من القاعدة.

أما الجانب الثالث، أي الجانب الروسي، فقد شعر بضرورة تخفيف وطأة استخدامه الفيتو على المعارضة السورية والحراك الشعبي، حيث ووجه باستنكار شديد، وباتت السياسة الروسية تعرف الآثار السلبية لقرارها هذا، فزار وزير خارجيتها ورئيس مخابراتها سوريا يوم الثلاثاء الماضي.

وترافق ذلك مع تصريحات روسية رسمية وإعلامية، تقول بأن وزير الخارجية يزور سوريا لمطالبة السلطة بتغيير سياستها الأمنية وتخفيف استخدام العنف، وإجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية يقبلها المحتجون والمعارضة. وقد تمنى وزير الخارجية الروسية على أطراف المعارضة السورية، القبول بمحاورة النظام "بدون شروط مسبقة"، تمهيداً للوصول إلى تسوية مقبولة.

وكانت أطراف المعارضة هذه أبلغت الحكومة الروسية، عندما قدمت روسيا اقتراح الحوار في موسكو بين السلطة والمعارضة قبل أسيوعين، أن هذا الحوار لا يمكن أن ينجح إلا إذا انطلق من القبول بتغيير النظام السوري الحالي، إلى نظام ديمقراطي تعددي تمثيلي تداولي، وتشكيل حكومة انتقالية لديها الصلاحيات الكافية للإشراف على انتخاب هيئة تأسيسية جديدة، مهمتها وضع دستور جديد للبلاد.

ويبدو أن وزير الخارجية الروسي حاول خلال زيارته إقناع النظام ببعض طلبات المعارضة تمهيداً لعقد الحوار، إلا أن قبول النظام بهذه المقترحات شبه معدوم، لأنه ما زال يؤمن بجدوى الحل الأمني، وتطبيق أسلوب العنف، مقتنعاً بأنه إذا تراجع أمام مطالب المعارضة فسينهار لامحالة، ولذلك يرفض أية مرحلة انتقالية لا تكون تحت رعايته.

يتوقع المراقبون في سوريا أن تنفذ جامعة الدول العربية، بعد الفيتو الروسي، قراراتها السابقة ومبادراتها التي أقرتها في الشهرين الأخيرين، وخاصة تطبيق العقوبات وسحب السفراء، كما يتوقعون أن تساعد الدول الأوروبية والولايات المتحدة الحراك الشعبي والمعارضة السورية، من خلال فرض مزيد من العقوبات والضغوط، وربما سيقوم بعض الجهات الخارجية بإغراء الثوار بالتسلح وتقديم المساعدات المالية، لممارسة العنف.

وهكذا فإن الأزمة السورية تسير بعد الفيتو الروسي من تعقيد إلى تعقيد أكثر، ومن حال سيئ إلى حال أسوأ، ومن تصعيد إلى تصعيد أشد، وبالتالي تكاد الأطراف جميعها أن تصل جراء سياساتها هذه، إلى طريق مسدود.