رغم اختلاف الحادثتين، إلا أن ثمة خيطاً، في تصوري، يربط بين الأحداث التي شهدتها مدينة "بورسعيد" المصرية، عقب انتهاء المباراة التي جمعت بين "المصري" و"الأهلي" يوم الأربعاء الماضي، وراح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى، وبين ما جرى في منطقة "العديلية" في الكويت، عندما أقدم العشرات من قبيلة "مطير" على اقتحام المقر الانتخابي لمرشح الدائرة الثالثة محمد الجويهل، وإشعال النار فيه.

في حادثة "بورسعيد" كانت الشرارة التي أشعلت الملعب، قيام أحد مشجعي "الأهلي" برفع لافتة في المدرجات، تسيء إلى أهل مدينة "بورسعيد" وتصفهم وصفاً غير لائق، بعد انتهاء المباراة التي خرج فيها "المصري" فائزاً، وفق ما جاء في روايات شهود عيان، الأمر الذي أثار حفيظة جمهور المدينة الباسلة ذات التاريخ النضالي المعروف.

ودفع مشجعي "المصري" إلى الاعتداء على جمهور "الأهلي". ثم تفاقمت الأحداث بعد ذلك، في غياب رجال الأمن، أو قلة عددهم المتعمد أو غير المتعمد، وفق ما ستسفر عنه التحقيقات التي تجريها السلطات المختصة، حتى تحول الأمر إلى كارثة كانت لها تداعياتها ونتائجها المؤسفة.

وفي حادثة "العديلية" كانت الشرارة التي أشعلت النار، هي الإساءة التي وجهها صاحب المقر الانتخابي "محمد الجويهل" إلى قبيلة "مطير"، وهي قبيلة لها وزنها ومكانتها في المجتمع الكويتي، ولها مرشحوها الذين يقفون على قدم المساواة مع "الجويهل" في حق الترشح والوصول إلى الكرسي النيابي في "مجلس الأمة".

نستطيع أن نستخلص من الحوارات التي دارت حول الحادثتين، في مختلف وسائل الإعلام، وعبر المواقع الإلكترونية والمنتديات، أننا ما زلنا نعاني من أزمة خطاب. فرغم كل المتغيرات التي استجدت على مدى عمر "الربيع العربي" القصير، ومع كل الاحترام لأصحاب النظريات المختلفة، بمن فيهم أصحاب نظرية المؤامرة التي لا نستبعدها ولا نستثنيها من النظريات الأخرى، فإن ثمة خللاً ما زلنا نعاني منه.

ورغم اختفاء وجوه حكام أمضوا في الحكم عقوداً طويلة، قضى بعضهم بالموت قتلاً بعد أن ظن أنه لا يمكن الوصول إليه، ونُفِي بعضهم خارج البلد الذي ظن أنه مخلد فيه، ودخل بعضهم قفص الاتهام بعد أن ظن أنه لن تدور الدوائر عليه، رغم كل هذه الأحداث الدراماتيكية التي توالت خلال عام واحد.

فإن ثمة وجهاً قبيحاً لم يختف، هو في رأينا سبب كل هذه الفوضى التي تعصف ببلدان الربيع وما جاورها، وتشوه وجه الربيع الذي تخيلناه أكثر جمالاً وإشراقاً مما رأينا حتى الآن، رغم مرور أكثر من عام على ولادته، ورغم المخاض العسير الذي أتى به.

في حادثة "بورسعيد" طغى التعصب لفريق كرة قدم، على الانحياز لمصلحة الوطن، فكان هو الشرارة التي أشعلت الأحداث، ليمتد الحريق إلى وطن لم يتعافَ بعدُ من وطأة أنظمة أطبقت على أنفاسه عقوداً طويلة، حتى لو كانت "الجماعة المندسة" قد استثمرت هذا التعصب لتزيد النار اشتعالًا، فقد كان جديراً بصوت العقل ومنطق الوعي أن يفشلا كل مخططات "اللهو الخفي"، التي يدور حولها الحديث ويتشعب.

وفي حادثة "العديلية" كان العزف على وتر القبيلة، هو الشرارة التي أشعلت الحريق الذي أتى على مقر "الجويهل"، كما كان هو المحرك لأولئك الذين توجهوا لمهاجمة قناة "الوطن" التلفزيونية، التي كانت تستضيف مرشحاً آخر يعتبره أبناء القبائل مقرباً من "الجويهل". وقد انعكس الأمر على الانتخابات التي جرت يوم الخميس الماضي.

حيث قال أحد المقترعين لوكالة فرانس برس: "أنا أقترع لقبيلتي قبل كل شيء، ثم على أساس المواقف السياسية"، مضيفاً: "إن التوتر الحضري والقبلي ارتفع بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وإن أي شرارة من هذا يمكن أن تحرق البلد إذا لم يتم التحرك سريعاً من قبل السلطة".

كنا نعتقد أن زحزحة الأنظمة الاستبدادية من أماكنها قيد أنملة هو المستحيل بعينه، فإذا بهذه الأنظمة تتهاوى بوتيرة أسرع مما تخيلنا، كأنما كانت تتوكأ على منسأة سليمان، حتى إذا ما أكلت الأرضة المنسأة هوت تلك الأنظمة، وعرف أولئك الذين يسبِّحون بحمدها، آناء الليل وأطراف النهار، أنهم إنما كانوا يؤدون فروض الولاء والطاعة لآلهة ميتة، تتوكأ على عِصِيٍّ نخر فيها الفساد، فلم تعد قادرة على حمل تلك الأجساد التي فارقت الحياة منذ أمد بعيد.

وكنا نعتقد أن غياب رؤوس تلك الأنظمة عن الواجهة، هو النهاية السعيدة التي سيسدل عليها الستار، وكان يمكن أن يحدث هذا لو أن التغيير طال العقول قبل الأنظمة، فغيّر طرق تفكيرها وأخرجها من الدائرة الضيقة التي لا تختلف كثيراً عن عهود ما قبل الربيع العربي، ليس في الدول التي مر بها الربيع فقط، وإنما في كل أرجاء الوطن العربي.

ولكن يبدو أننا نحتاج ربيعاً من نوع آخر، يفعل بنا ما لم يفعله الربيع العربي حتى الآن، ويزيل رواسب كثيرة ما زالت تفسد علينا بهجة الربيع، وتبدد روعته.

في الجلسة التي عقدها مجلس الشعب المصري يوم الخميس الماضي، لمناقشة أحداث مباراة "المصري" و"الأهلي"، طلب رئيس المجلس قطع البث التلفزيوني المباشر للجلسة، الأمر الذي أدى إلى احتجاج بعض الأعضاء، ما اضطر الرئيس لطلب التصويت، حيث تمت الموافقة على البث المباشر، فأتيح للشعب أن يستمع إلى رأي ممثليه. وهكذا انتصرت الأغلبية على الرئيس، لتقدم لنا وجهاً من وجوه الربيع العربي المشرقة، رغم ضبابية بعض جوانب المشهد وقتامة بعضها الآخر.