سافرت بدعوة من جامعة ماليزيا الإسلامية ووزارة الخارجية الماليزية، لحضور مؤتمر أطلق عليه "المؤتمر الدولي للحركة العالمية للمعتدلين".
والمؤتمر نظمته جامعة ماليزيا بالاشتراك مع الحكومة الماليزية وبدعم كامل منها، وتمت دعوة المئات من الرموز السياسية والفكرية والإعلامية من عشرات الدول حول العالم، لمناقشة فكرة إنشاء حركة تضم "المعتدلين"، هدفها عدم ترك الساحة للتطرف وإعطاء منبر قوي للاعتدال حول العالم.
حين حضرت المؤتمر تبين لي أن السيد محمد نجيب عبد الرزاق رئيس وزراء ماليزيا، هو صاحب الفكرة أصلا. ففي عام 2010، ألقى الرجل خطاب بلاده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فكان المرة الأولى التي طرح فيها الفكرة.
فهو وقتها شرح الحاجة إلى "دفع أصوات الاعتدال للمقدمة" في محيط من التطرف العالمي. لكن رئيس الوزراء الماليزي عاد لطرح الفكرة من جديد في شكل أكثر تطورا، في خطاب ألقاه في مايو 2011 في مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية، كان عنوانه "ائتلاف المعتدلين والتفاهم العابر للحضارات".
فمن مجرد الحديث عن "الحاجة" إلى رفع المعتدلين صوتهم، تطورت الفكرة لتصبح حديثا عن "ائتلاف" يضم المعتدلين في الحضارات المختلفة.
لكن بعد شهور قليلة من العام نفسه، أعلن رئيس الوزراء في نوفمبر عن نيته مأسسة الفكرة خلال شهرين. وبالفعل، نظمت ماليزيا مؤتمر الحركة العالمية للاعتدال، الذي دعت له وفودا من شتى أنحاء العالم في يناير 2012. وفي أولى جلسات المؤتمر، أعلن رئيس الوزراء عن إنشاء "معهد الوسطية" في بلاده ليكون تابعا لمكتب رئيس الوزراء مباشرة، بهدف "دعم الاعتدال في المجالات كافة".
كما أعلن عن إنشاء مؤسسة جديدة أسماها "مؤسسة الحركة العالمية للمعتدلين"، قال إنها ستكون "مركزا" وظيفته "دعم ونشر المعلومات وتوزيع مواد الحملة" الساعية لتشكيل الحركة العالمية للمعتدلين، وذلك "لضمان وصولها إلى كل الذين يرغبون في الاشتراك في مكافحة التطرف، سواء كانوا كيانات حكومية أو غير حكومية".
وقد كان واضحا من فعاليات المؤتمر، أن الفكرة والمؤتمر والحركة كلها تمثل جزءا من الدور الدولي الناهض، الذي تسعى ماليزيا لأن تلعبه. فإطلاق "الحركة العالمية للمعتدلين" هدفه، في تقديري، تقديم ماليزيا باعتبارها نموذجا للاعتدال والوسطية، بما يؤهلها لتلعب دور القائد في تجميع قوى الاعتدال العالمية. ففي كلمته أمام المؤتمر، قال رئيس الوزراء إن "ماليزيا ظلت دوماً مرادفاً، ليس للتطرف وإنما للاعتدال والتسامح والقبول بالآخر.
ففي بلد أغلبيته من المسلمين، ويضم أيضا الهندوس والبوذيين والمسيحيين والتاويين والسيخ، نحن نعرف جيدا معنى الاختلاف ونحتفي به. فعندنا جماعات إثنية ودينية متعددة، ولكننا نسعى دوماً لأن نكون أمة متجانسة وموحدة فعلا، تقوم على قيم الاعتدال وروح ماليزيا الواحدة". أما وزير خارجية ماليزيا، فقد أكد أن "الاعتدال هو جوهر السياسة الخارجية" لبلاده، وأن ماليزيا تستخدم كل أدوات الاعتدال التي ثبت أنها ناجحة، مثل الالتزام بالقانون الدولي والمفاوضات والحوار.
لكن جمع المعتدلين في حركة عالمية، قد يواجه صعوبات مصدرها الالتباس المتعلق بمعنى الاعتدال أصلا. فهو تعبير تم استهلاكه في السياسة الدولية، حتى صار يعني الشيء وعكسه. وقد لاحظت في فعاليات المؤتمر، أن لكل من السياسيين الذين مثلوا بلادهم تعريفه الخاص لمعنى الاعتدال.
فعلى سبيل المثال، بينما وصف رئيس وزراء ماليزيا الاعتدال بأنه "الوفاء باحتياجات الآخرين والاستجابة لإحباطاتهم ومصادر القلق لديهم، بينما نحقق الشيء نفسه لأنفسنا"، قال وزير خارجية تايلاند الأسبق: إن الاعتدال "معناه أن نفعل الأشياء بشكل عقلاني"، هذا في حين ربط نائب رئيس إندونسيا السابق بين الديمقراطية والاعتدال، فهو اعتبر أن الديمقراطية هي الوسيلة الأكثر فاعلية نحو الاعتدال ونحو تحقيق الهدف النهائي، وهو "الوصول لمجتمع العدل والرفاهية".
وإذا كان هذا هو الحال داخل المؤتمر، فما بالك بما يعنيه الاعتدال خارج أروقة المؤتمر؟ فمن يعتبره البعض معتدلا قد يراه آخرون متطرفا، والعكس. وهو ما يتضح جليا من المثال الذي استخدمه رئيس الوزراء الماليزي بنفسه، فقال إن "التاريخ لم يصنعه المتطرفون وإنما أولئك الذين لم يتخلوا عن معتقداتهم، ومع ذلك ظلوا على طريق الاعتدال. فنحن جميعاً نعرف قوة الإرادة والزعامة التي امتلكها المهاتما غاندي ونلسون مانديلا والسيدة أونغ سان سو كي".
فتلك الأمثلة ذاتها نموذج ممتاز لالتباس تعبير الاعتدال. فالعظيم نلسون مانديلا كان يوصف لعقود طويلة في الغرب بأنه "إرهابي"، بل إنه ظل بموجب القانون الأميركي "إرهابياً"، حتى تم إلغاء ذلك النص القانوني في الألفية الثالثة! ولماذا نذهب بعيداً عن ماليزيا؟ فرئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد، الذي صنع نهضة ماليزيا، كان يتهم بالتطرف من الكثير من الدوائر الغربية، بسبب رفضه التفكير داخل الصندوق الحديدي الذي صنعه الغرب لكيفية إدارة الاقتصاد في الدول النامية، وإصراره على اتخاذ مسار مستقل لبلاده في الاقتصاد والسياسة. بعبارة أخرى؛ فإن معنى الاعتدال يتوقف على من يستخدمه.
لكن رغم الالتباس الذي ينطوي عليه تعبير الاعتدال، يظل المؤتمر يدعو للإعجاب كإحدى تجليات الدور الماليزي. فتلك الدولة الصغيرة النامية، بعد أن حققت نهضة اقتصادية بارزة، صارت تسعى اليوم للعب دور قيادي، ليس فقط في منظمة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، وإنما في العالم. وهي راحت تبحث في هويتها عما يمكن استخدامه للعب ذلك الدور، فوجدت ضالتها في الثراء الإثني والديني والثقافي الذي تتمتع به ماليزيا، فاعتبرته قاعدة الانطلاق لها نحو العالمية.
لذلك كان السؤال الذي شغلني طوال المؤتمر؛ أين دور العرب في العالم؟ أليس عندنا نحن أيضا ما يمكننا تقديمه للعالم؟!