بعد عام على انتفاضة 25 يناير 2011 في مصر، ما زالت جماهير الشعب المصري تملأ ميدان التحرير في القاهرة وساحات المدن الكبرى. انتفض الشعب المصري منذ عام، مطالباً بالحرية وإلغاء قانون الطوارئ والتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومحاكمة الفاسدين والمفسدين، ومعاقبة الذين أطلقوا النار على الشباب المنتفض وأودوا بحياة مئات الشهداء والجرحى. ونجحت الانتفاضة في إسقاط الرئيس حسني مبارك، وما زالت محاكمته مستمرة مع عدد من رموز الفساد السياسي والإداري والمالي في عهده.
لكن ما أنجز خلال العام المنصرم من إصلاحات، لم يقنع القوى الشبابية المنتفضة، واعتبر قادتهم أن الانتفاضة لم تكن تهدف إلى حمل قوى محافظة إلى صدارة الحكم في مصر، من خلال استفتاء شعبي أعد على عجل، عبر اعتماد الديمقراطية العددية كمقياس لولادة حياة سياسية في مصر، لا تبشر بالتغيير الحقيقي الذي يطمح إليه المصريون. بلورت نتائج العام الأول للانتفاضة، مواقف سياسية هامة تنذر بصدامات كبيرة بين القوى التي تحالفت لإسقاط الرئيس مبارك، دون أن يكون لها برنامج موحد لبناء نظام ديمقراطي حقيقي في مصر.
1- فهناك ارتياح واضح لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي عمل على امتصاص غضب الشباب بالإعلان عن رفع حالة الطوارئ في الذكرى الأولى لانتصار الانتفاضة، مع الاستفادة منه لملاحقة جرائم البلطجية، واعتبار يوم 25 يناير من كل عام عطلة رسمية احتفالاً بذكرى الانتفاضة، وأبدى استعداده لتسليم السلطات التشريعية والرقابية إلى مجلس الشعب المنتخب حديثاً، دون أي تحديد زمني، والالتزام بتسليم ما تبقى من السلطة إلى رئيس الجمهورية فور انتخابه، فيعود الجيش إلى ثكناته للدفاع عن الوطن.
لكن حقوقيين مصريين وجدوا أن الاستثناء المنصوص عليه في رفع قانون الطوارئ، يفرغ القرار من مضمونه. فليست هناك فئة أو جرائم محددة يطلق عليها صفة البلطجية في القانون المصري، وبالتالي، تسمح ضبابية الاستثناء للشرطة باعتقال أي مواطن يخالف القانون، بدعوى أنه بلطجي، مما يؤكد أن هاجس المجلس العسكري هو البقاء في السلطة أو التحكم فيها.
2- ارتياح كبير في أوساط جماعة "الإخوان المسلمين"، الذين يسيطرون الآن على مجلس الشعب بنسبة كبيرة، وانتخبوا لرئاسته أحد رموزهم المعروفين، إذ أفضت الانتخابات إلى صعود كبير للإسلاميين، بجناحيهم الإخواني والسلفي، وباتوا يهيمنون على أكثر من 70% من مقاعد مجلس الشعب المصري. وتعمل القوى المنتصرة على توظيف مجلس الشعب للإبقاء على ركائز النظام السابق، بعد إدخال تعديلات شكلية لتضمن بقاءها في السلطة. ويخشى شباب الانتفاضة من انقلاب القوى الإسلامية على الديمقراطية التي أوصلتهم إلى الحكم.
3- ارتياح نسبي لدى جماعة "التيار السلفي"، الذين حققوا نجاحاً كبيراً في الانتخابات النيابية، لكنهم عاجزون عن تنفيذ مقولاتهم المتشددة كتطبيق الشريعة الإسلامية في مجتمع متعدد. وهم يواجهون معارضة حادة من مواقع أربعة: المجلس العسكري، وجماعة الإخوان المسلمين، والقوى الليبرالية والعلمانية المتنوعة، والتيارات الشبابية التي تريد بناء دولة مدنية وليس دولة دينية، مهما تغيرت التسميات وتعددت التصريحات المطمئنة للمتخوفين منها.
4- استمرار حركات الاحتجاج الشبابية التي تطالب باستكمال أهداف الثورة، وهي تواصل الاعتصام في ذكرى انتصار الثورة، لتشديد الضغط على القوى التي تمسك بزمام السلطة وتريد الاحتفاظ بالنظام القديم، مع تغيير شكلي في أسلوب عمله. الشباب متمسكون بتحقيق أهداف الثورة، وتسليم السلطة السياسية فوراً إلى رئيس مدني منتخب، والإسراع في محاكمة قتلة الثوار، ومعاقبة الفاسدين واسترداد أموال مصر المنهوبة، ومعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت وراء تفجير الانتفاضة الشعبية.
وعبرت بيانات التنظيمات الشبابية عن وعي عميق بخطورة المرحلة الراهنة، وبعدم الانجرار إلى صدامات داخلية تقود إلى صراع مع الجيش المصري، أو تستدرج تدخلات إقليمية ودولية.
وتضمن بيان الدعوة للنزول إلى الشارع، برنامجاً سياسياً واضحاً: "لا نطالب بسقوط الجيش ولا نريد أن نهدم مصر. الثورة سلمية ونرفض أن يعتدي أحد على أي أرواح أو ممتلكات خاصة أو عامة. نطالب بسقوط حكم العسكر بالطرق الديمقراطية، وبتنحي الجيش المصري عن ممارسة السلطة المباشرة، بعد أن تحكم فيها طوال الستين عاماً المنصرمة من عمر الحياة السياسية في مصر. على العسكر أن يتركوا السلطة السياسية للشعب لكي يمارس دوره بحرية ويحدد مصيره عبر الاحتكام إلى انتخابات حرة ونزيهة، ونرفض كل الامتيازات الخاصة".
هكذا اكتشف شباب الانتفاضة مصدر قوتهم، بعد أن واجهوا أجهزة الدولة القمعية بكفاءة عالية، وقدموا تضحيات كبيرة. فكانوا وقود الانتفاضة وأدوات التغيير الديمقراطي في زمن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وثورات العلم والمعلومات والاتصالات والتواصل المنفتحة بصور إيجابية على كل إنجازات عصر العولمة، ومجتمع المعرفة، وثقافة القرية الكونية.
شعر المصريون بنتائج التغيير الذي تبلور خلال العام المنصرم، لكن القوى الشبابية التي كان لها دور أساسي في إطلاق الانتفاضة وإنجاحها، أبعدت عن الحكم والإدارة بصورة تعسفية. وجرى تهميش قوى مصرية ديمقراطية، ونخب ثقافية قومية عربية وليبرالية ويسارية وعلمانية، ذات حضور تاريخي في الدفاع عن الحريات العامة والخاصة في مصر، وفي الحفاظ على الوعي الوطني. وتواجه مصر الانتفاضة مشكلة بناء الدولة العصرية، على أسس عقلانية تتلاءم مع طبيعة عصر العولمة.
ختاماً، نجحت الانتفاضة في إزالة بعض رموز النظام السابق، الذي جعل مصر مرتعاً للفساد والإفساد، وسمح للقوى الطفيلية بالنهب المنظم لثرواتها، وهدر كرامة شعبها وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية في الحياة الحرة الكريمة. ولا يستقيم مسار الحكم لبناء مستقبل مشرق، إلا بتحقيق أهداف الانتفاضة ووضع شعاراتها الأساسية موضع التنفيذ، وعدم الالتفاف عليها تحت ذرائع واهية.
فمن الواضح أن المجلس العسكري يريد الاحتفاظ بالسلطة لأطول فترة ممكنة، وأن القوى الإسلامية تريد الإبقاء على ركائز النظام السابق، الذي أوصلهم إلى حكم مصر بثقة شعبوية غير مسبوقة في تاريخ مصر. أما القوى الشبابية والديمقراطية الحقيقية، فتريد تغيير ركائز النظام السابق، ومنع تجددها، وإحلال ثقافة التغيير الشامل مكان ثقافة التبرير التي تعتمدها القوى السلفية الحاكمة.
فمشكلات المجتمع المصري تتطلب قيام دولة مدنية ديمقراطية، تعبر عن أحلام المصريين جميعاً في الحفاظ على مجتمع متعدد يحترم الرأي الآخر، ويحول الاختلاف في الرؤى السياسية إلى مصدر قوة يعزز مكانة مصر على المستويين الإقليمي والدولي.