فيما يهاجم نيوت غينغريتش "النخبة الليبرالية"، يصوغ ميت رومني الحملة الانتخابية لعام 2012 في إطار "المبادرة الحرة في موضع المحاكمة". ويعرف رومني المبادرة الحرة، بتحقيق النجاح من خلال "تحمل المخاطرة".

 وقال توم دوناهيو، رئيس غرفة التجارة الأميركية، مدافعاً عن رومني: "إن هذا الاقتصاد يقوم على المخاطرة، فإن لم تخاطر فلا يمكنك أن تنجح".

ولكن من في اعتقادهم يتحمل المخاطر الاقتصادية؟ كلما صعد المرء في سلم الاقتصاد الأميركي الحالي، كان جنيه للمال دون التعرض لأية مخاطر مالية شخصية، أكثر سهولة. وكلما نزل، كانت المخاطر أكبر والمكافآت أصغر.

ويمتنع الشركاء في شركات الأسهم الخاصة مثل شركة رومني "باين كابيتال"، عن المخاطرة بأموالهم الخاصة. فهم يستثمرون أموال الآخرين، ويضعون في جيوبهم 20% من أي مكاسب صاعدة. ثم يدفعون الضرائب على 15% فقط من دخولهم، وهي نسبة تقل عن المعدل الذي يدفعه العديد من أميركيي الطبقة الوسطى، وذلك بسبب وجود ثغرة تعتبر ذلك الدخل أرباحاً رأسمالية.

ويسعى وول ستريت ككل، إلى تحقيق أقصى قدر من المكاسب الشخصية وتقليل المخاطر. فإذا كنت عالياً بما فيه الكفاية على السلم الاقتصادي، فيمكنك أن تخفق بصورة ملكية وتبتعد مثل الملوك. وإذا تكبدت أية خسائر فلا تقلق، فسوف ينقذك دافعو الضرائب.

لقد تراجعت أسهم "سيتي غروب" بنسبة 44% عام 2011، غير أن رئيسها التنفيذي فيكرام بانديت، حصل على ما لا يقل عن 5,45 ملايين دولار فوق مكافأة استبقاء بقيمة 16,7 مليون دولار (وستقوم الشركة بالكشف عن بقية أجره في مارس المقبل). وانخفضت أسهم "جي بي مورغان تشيس" بما يقرب من 22%، ومع ذلك فقد تم إعطاء الرئيس التنفيذي للشركة، جيمي ديمون، رزمة مالية على سبيل المكافأة بقيمة 17 مليون دولار.

في الجزء العلوي من الاقتصاد الأميركي، يمكنك أن تخرج برزمة من المال، حتى لو كنت قد أوصلت شركتك إلى الحضيض. وأفخر ملاعب الغولف في أميركا، يزينها كبار المديرين التنفيذيين السابقين الذين أغرقوا شركاتهم تقريباً، ولكنهم منحوا مكافآت مجزية على الرغم من ذلك.

ولم يستمر توماس فريستون سوى تسعة شهور في منصب الرئيس التنفيذي لشركة "فياكوم"، قبل أن يتم فصله ويذهب بعيدا برزمة خروج، بقيمة 101 مليون دولار. واضطر وليام ماكغواير إلى الاستقالة من منصب الرئيس التنفيذي لشركة "يونايتد هيلث"، بسبب فضيحة خيارات الأسهم، إلا أنه غادر برزمة مالية قيمتها 286 مليون دولار.

ومع ذلك، فإنه في الوقت الذي تتلاشى المخاطر الاقتصادية في الأعلى وتواصل المكافآت نموها، تتزايد المخاطر بشكل دراماتيكي بالنسبة لجميع من هم في القاع تقريباً، وتواصل المكافآت تقلصها. والعاملون بدوام كامل الذين أمضوا عقوداً عدة وهم يعملون لدى شركة معينة، قد يجدون أنفسهم بلا عمل بين عشية وضحاها، وبلا مظلة إنقاذ أو مساعدة على إيجاد وظيفة أخرى، أو تأمين صحي. وما يزيد على 20% من القوى العاملة الأميركية هي الآن "مؤقتة"، تتألف من عمال مؤقتين ومتعاقدين ومستشارين مستقلين، دون أي تأمين.

ويواجه معظم العائلات الأميركية خطرا متزايدا، يتمثل في استلام فواتير مستشفى هائلة دون أي وسيلة لسدادها، بينما يقل عدد الشركات الكبيرة والمتوسطة التي تقدم للعاملين فيها تغطية صحية كاملة، وقد وصلت نسبة تلك الشركات إلى 74% عام 1980، وهي تقل الآن عن 10%. ونتيجة لذلك، تواصل أقساط التأمين الصحي، ورسوم التحمل، والخصومات ارتفاعها.

ويواجه معظم الناس كذلك الخطر المتفاقم، والمتمثل في الافتقار إلى معاشات تقاعدية كافية. فقبل ثلاثة عقود عمد أكثر من 80% من الشركات الكبيرة والمتوسطة، إلى منح العاملين فيها معاشات تقاعدية "ذات فائدة محددة"، ضمنت لهم الحصول على مبلغ محدد من المال كل شهر بعد التقاعد، والآن تقل تلك النسبة عن 10%. وعوضاً عن ذلك، تقدم الشركات خطط "المساهمة المحددة"، التي تضع المخاطر على عاتق العمال. وعندما يغرق سوق الأسهم، كما حدث في عام 2008، تغرق خطط 401 (ك) معه.

ومن جهة أخرى، يدخر الأميركيون القابعون في القمة، عشرات الملايين من الدولارات بعد التقاعد، فيما يدفعون ضرائب ضئيلة أو معدومة، ويستمتعون، في الواقع، بدعم حكومي هائل. وتتراوح قيمة حساب التقاعد الخاص بميت رومني، بين 20 و100 مليون دولار، بما في ذلك حيازات "باين كابيتال" في مرافئ بحرية مثل جزر كايمان.

إن رومني على حق، فالمبادرة الحرة في موضع المحاكمة. ولكنه مخطئ بشأن السؤال الأهم، فهو لا يدور حول ما إذا كانت أميركا ستستمر في مكافأة المخاطرة، وإنما حول ما إذا كان النظام الاقتصادي يستطيع الصمود عندما تكون المخاطر الحقيقية منفصلة إلى حد كبير عن المكافآت.

لقد بدأ الأميركيون يشعرون بأن اللعبة مزورة ضدهم، وهو ما قد يكون السبب في أن هجمات نيوت غينغريتش المنمقة على "النخب"، تحظى بشعبية. ويشعر العمال الأميركيون بالتشاؤم، حين يحصل أولئك القابعون في القمة على مكافآت عملاقة بصرف النظر عن مدى إخفاقهم، فيما يتم خداعنا نحن بصرف النظر عن مدى اجتهادنا في العمل.