شهدت فترة ما بين الحربين العالميتين، صعودا ملحوظا للحركات التحررية القومية الآسيوية.

لكن الصهاينة المنغلقين على ذواتهم الأوروبية، لم يهتموا بتلك الحركات، ولا نشطوا في الأفق الآسيوي، ولا حاولوا التواصل مع القادة الآسيويين الكبار. ويبدو أن المصدر الأوروبي للصهيونية على صعيدي الفكر والممارسة والقيادة المتنفذة، قد حال دون هذا التواصل، وذلك على اعتبار أن الآسيويين، شأنهم شأن العرب، كانوا يناهضون الاستعمار الأوروبي.

وعموما كان مجرد انتساب الصهيونية إلى دائرة الغرب الأوروبي الأميركي، دافعا لإثارة شكوك الآسيويين في جوهرها وأهدافها.

على أن المهاتما غاندي، أبا الهند الحديثة، كان استثناء من اتجاه الإهمال الصهيوني. فقد بذل الصهاينة جهدهم للاتصال بهذا الزعيم الفذ، وحاولوا لخمس مرات منفصلة بين الحربين، إقناعه بإصدار تصريح يؤيد مزاعمهم. وكان من أبرز الضالعين في تلك المحاولات، هيرمان كالينباخ الذي يقال إنه كان صديقا مقربا من غاندي.

المثير أن هذا الشغف الاستثنائي بالزعيم الهندي لم يقع لكسب نفوذه في آسيا، وإنما استهدف استقطاب مؤيديه الكثر في عالم الغرب، إذ كانت أقواله وأفعاله ذات قيمة واحترام كبيرين لدى أصدقائه وأعدائه، ومنهم من اعتبره قديسا. وقد قدر الصهاينة أن تأييده لهم، ربما منح حركتهم وزنا أخلاقيا وأدبيا ثقيلا. لقد انشغلوا فقط بالحصول على دعم غاندي شخصيا لشهرته العالمية، ولم يأبهوا برواج قضيتهم في الأوساط الهندية أو الآسيوية عامة.

الدليل على ذلك أنهم لم يسعوا إلى التواصل المعمق مع حزب المؤتمر الهندي، الذي أعلن جهرة أن منطلقاته التحررية آسيوية، وأن مصير الهند مرتبط بمصير الأمم الآسيوية المجاورة، وأنه "ما لم تتحرر جزيرة العرب في غرب آسيا من كل سيطرة غير إسلامية، فلن يكون هناك سلام أو رضى في الهند..". وفي عامى 1937 و1938 أدان المؤتمر إمكانية تقسيم فلسطين، وطلب من اليهود ألا يركضوا وراء الحماية البريطانية.

إن حركة قومية هذه رؤيتها ما كانت لتنال ود الصهيونية والصهاينة.. فماذا كان رأي رائد هذه الحركة، في الصهيونية التي تحرقت لاستصدار موقف شخصي داعم لها منه، لصفته العابرة لحدود الهند وآسيا نحو العالمية؟

في 26/1/1938 كتب غاندي مقالة في صحيفة هاريجان الهندية، عرض فيها رؤيته للمسألة الفلسطينية واليهودية، بكل وضوح وشفافية.. فقال إن فلسطين تنتمي للعرب، مثل إنجلترا للإنجليز وفرنسا للفرنسيين. وأنه من الخطأ الإنساني فرض اليهود على بلاد العرب، وما حدث في فلسطين لا يمكن تبريره بأي أساس أخلاقي. وستكون جريمة ضد الإنسانية إذا تم إخضاع العرب حتى يمكن تسليم فلسطين لليهود جزئيا أو كليا.. (واضح أنه كان من أنصار فلسطين عربية من النهر إلى البحر!).

ومضى غاندي إلى دحض مفهوم القومية اليهودية، قائلا "لماذا لا يقوم اليهود الصهاينة بجعل وطنهم هو الذي ولدوا فيه ويكسبون رزقهم على أرضه؟ وإذا لم يكن لليهود وطن غير فلسطين، فهل يقبلون بفكرة طردهم من بقية أرجاء العالم؟ لا شك أن الدعوة لإنشاء وطن قومي لهم سيقدم مبررا قويا لطردهم من ألمانيا".

وعلى الرغم من كون غاندي من أهم آباء مبدأ المقاومة السلمية اللاعنفية، وأنه تمنى أن يعمل العرب بهذا المبدأ، إلا أنه رفض أن يقرعهم على المقاومة المسلحة، معتبرا أنه "لا يمكن أن يلام العرب بسبب المقاومة التي انتهجوها، فقد تآمر اليهود مع البريطانيين على نهب أناس لم يلحقوا بهم أي أذى".

تجدر الإشارة إلى أن جواهر لال نهرو، خليفة غاندي وتلميذه، كان يتبنى الرؤية ذاتها، وهو القائل عام 1938 "يناضل العرب ضد الإمبريالية البريطانية، ومن الأسف أن يقف اليهود إلى جانبها ويعملوا تحت حمايتها ضد سكان البلاد".

في رفضه الحاسم للصهيونية ومشروعها الاستعماري، ارتكز غاندي إلى ثلاثة محددات صارمة. فهو كزعيم آسيوي لم يستسغ قبول دولة تفرض على آسيا بالقوة ويسكنها غير آسيويين. وكهندي رفض أن يشارك العالم كله والعرب خاصة، في دفع ثمن الاضطهاد النازي لليهود. وكهندوسي، كان يؤمن بالخلاص الذاتي، ويأبى نظرية الاعتماد اليهودي على الدعم الغربي.

القصد، أن سيرة غاندي ورؤاه، ومنهجيته الفكرية الايديولوجية، ومعالجاته السياسة وتكييفاته المباشرة للقضية الفلسطينية، تكاد تخلو كليا مما يسر خاطر الصهيونية.. ومع ذلك ثمة من يدعو راهنا في إسرائيل، الدولة التي لم يقتنع بأحقيتها في الوجود، إلى إقامة نصب تذكاري له، على أرض حي جبل المكبر في الجنوب الشرقي للقدس المحتلة!

لا يمكن لربع عاقل أن يصدق مزاعم مئير مرجليت، عضو بلدية القدس من حزب ميرتس، بأن هذه المبادرة تهدف إلى الاحتفاء بغاندي، إذ من هم الأولى بمثل هذا الاحتفاء: الفلسطينيون الذين دافع هذا الرمز التاريخي عن حقوقهم، أم الصهاينة الذين أعرض عنهم وسخر من دعوتهم وفضح مضمونها الإمبريالي وقطع عنها الطريق إلى العالمية من خلاله؟

لا يمكن تفسير هذه الأحجية، سوى برغبة إسرائيل في تحقيق هدفين.. أولهما وأثمنهما، الاستيلاء على الموقع الفلسطيني المرشح للنصب ومحيطه في رحاب القدس. والثاني، هو محاولة الاتشاح بالطهرية الأخلاقية، عبر التمسح بهذا الرمز الكبير.

من أجل راحة نفس غاندي ومعتقداته النبيلة، لا بد من محاربة هذا التوجه الصهيوني الخبيث، فلسطينيا وعربيا وهنديا وآسيويا.. وعالميا.