مرة أخرى، تلحق الاشتراكية الضرر بنفسها. فقد خفضت مؤسسة "ستاندرد اند بورز" تصنيف فرنسا الائتماني من درجة "إيه إيه إيه"، منتقدة بذلك مزاعم باريس بأن ديونها تحت السيطرة.
وهذا يعني أن فرنسا سوف تضطر الآن إلى سداد ديونها كاملة، بل وبمعدل فائدة أعلى. ولكن من الذي نحاول خداعه بالضبط؟ ما من أحد يسدد أية ديون في الوقت الراهن، فالمرء يحتاج إلى المال لكي يفعل ذلك. ومتى كانت آخر مرة حازت فيها فرنسا على أية أموال فائضة عن حاجتها؟
الأمر أشبه برفع سعر الفائدة على بطاقات ائتمان شخص مدمن، يقوم بحقن رؤوس الأموال في عروقه بسرعة أكبر مما يمكن لأي ألماني أو صيني أو روسي أن يمرر له ورقة نقدية من فئة عشرة دولارات.
ولا يمكن لأي قدر من الكلام الفارغ والمراوغة، أن يعمل في النهاية على إبقاء الاشتراكية واقفة على قدميها. وهذا درس جيد لأولئك الموجودين في أميركا وغيرها من بقاع العالم، الذين يعتقدون أن أوروبا هي بأي حال من الأحوال بديل مثالي ومستدام لرأسمالية السوق الحرة والحكومة المحدودة.
إذا كانت الرأسمالية ينظر إليها على أنها ليست ناجحة في أميركا، كما تجادل حركة "احتلوا وول ستريت"، فذلك لأن النظام ليس رأسمالياً بما فيه الكفاية، ولأن الافتقار إلى الرقابة أفضى إلى رعاية الحكومة للشركات ونشوء أرضية غير مستوية للحركة، بعبارة أخرى؛ التدخل الحكومي الاشتراكي في مجال الأعمال التجارية.
وبالمثل، فإذا كان نظام الرعاية الصحية الأميركي يعاني من مشكلات، فذلك بسبب الضغط ثقيل الوطأة الذي تمارسه شركات التأمين الخاصة على الحكومة، واستعداد الحكومة، بدورها، للتدخل عند حصولها على رشوة مجزية. وتلك مشكلة أخرى يكمن حلها بقدر أكبر من الرأسمالية، أي تدخل حكومي أقل وسوق حرة.
والآن، مرة أخرى، أصبح لدينا دليل على أن النظام الذي اعتبر لفترة طويلة نموذجا للاشتراكية الناجحة، اختنق أخيراً. وليس هذا خطأ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، فهو أمضى السنوات الخمس التي أعقبت توليه منصب الرئاسة، وهو يبذل قصارى جهده لدفع البلاد بعيدا عن مسار الاشتراكية ووضعها على مسار الاستقلال الفردي، في محاولة لتغيير خطاب وطريقة تفكير الفرنسيين في مثل هذه الأمور.
ولكن كيف يمكنكم أن تفسروا لكلب اللابرادور نشوة أن يكون حراً كالذئب، رغم عدم وجود شخص يضع أمامه وعاء مليئاً بالطعام على فترات منتظمة؟ يريد الفرنسيون قدراً أقل من الديون، ولكنهم يريدون أيضا عطلاتهم الطويلة ذاتها، وعدم تقليص الإنفاق الحكومي على الوظائف أو الخدمات..
وذلك أساسا لأن تلك الوظائف هي وظائفهم على وجه التحديد. وهم يتوقعون لأبنائهم أن يتمكنوا جميعاً من دخول "كلية الإدارة"، التي لن يحتاجوا بعدها إلى إنتاج أي شيء في سوق العمل الفرنسي، ولا حتى توقيع، إذ سيكون هنالك ختم لذلك الغرض، صنع في الصين.
وشاءت الصدف أن يوضع ساركوزي في هذا الموقف الصعب، بعد أن أسفرت السياسات الاشتراكية التي اعتمدها كل رئيس فرنسي منذ شارل ديغول، عن جملة من الأضرار.
ولسوء حظ ساركوزي، فهو يواجه إعادة انتخابه في الربيع المقبل. ويمكن للفرنسيين إما أن يعيدوا انتخابه، وهو لا يروق لهم شخصيا لأنهم يجدونه مفرط النشاط، وغريباً بعض الشيء، وينهمك إلى حد كبير في المسائل التافهة.. أو أن يفعلوا الشيء الذي أدى إلى فشل فرنسا حتى هذا اليوم، وهو انتخاب مرشح الحزب الاشتراكي الودود والطريف والخجول، الذي لا يملك سوى مناقبه الشخصية كرصيد لانتخابه.
وبدلاً من إظهار مزيد من الليونة، يحتاج ساركوزي إلى استخدام خفض التصنيف الائتماني، باعتباره فرصة لاتخاذ مواقف أكثر تشددا لصالح الحكومة المحدودة. توقف عن الكلام، وابدأ في التلويح بالفأس، كما يفعل القاتل في أفلام الرعب الرديئة. ابدأ بالتخلص من بعض طبقات الحكومة الفرنسية، واجعلها مسطحة كفطيرة الكريب. كن قدوة من خلال بدئك بالطبقة السياسية.
وادفع من يسمون بأفراد النخبة، إلى الخروج وتأسيس أعمال تجارية حقيقية. واجعل الفرنسيين ممن لديهم أبناء، يتحملون مسؤولية أبنائهم المالية، بدلا من دعمك لهم من المهد إلى اللحد. واجعل الهجرة تقتصر على الأشخاص القادرين على المساهمة اقتصاديا أو مهنيا، واستعن بنظام نقاط شبيه بذلك الذي تستخدمه كندا. ويمكن للمهاجرين الذين يريدون جلب جميع أفراد أسرهم من بلد آخر، أن يعودوا إلى بلادهم، إذا كانوا يشعرون بذلك القدر من الحنين إلى الوطن.
هذه هي فرصة فرنسا الكبرى، ونافذة "أوفرتون" الخاصة بها. وهي اللحظة التي تصبح فيها الاحتمالات غير المتوقعة سابقا، ممكنة على نحو مفاجئ بسبب حدث هام غير متوقع. إنها الفرصة المثالية لوضع فرنسا على الطريق الصحيح بنموذج جديد يتسم بالجرأة، وليس مجرد نسخة معادة التشغيل من النموذج القديم الفاشل. وإلى أن يحدث ذلك، وتتم معالجة جذور الانهيار، فلن تبدأ المشكلة في التلاشي.