في أحد تعليقاته على الحكام العرب ومسؤولياتهم، قال الأديب الكبير جبرا إبراهيم جبرا قبل أكثر من عقدين "لو اتصف كل المسؤولين العرب بأخلاق المسؤولية الثقافية، لتغير حال المجتمعات العربية عما هي عليه الآن". كان جبرا ينظر آنذاك بعين المثقف والناقد، إلى حال المجتمعات العربية وما فيها من تردٍّ، وما شاع فيها من فساد وتدهور أصاب المؤسسات الخدمية والثقافية.

فالمسؤولية الثقافية، في رأي جبرا، تعني الارتقاء بالذائقة الأدبية والفنية والجمالية، وبالتالي الإنسانية للمجتمع بأسره. فالحاكم في هذا الحال لن يعنى فقط بشؤون السياسة والاقتصاد، ولكن أيضا بالأدب والفن والموسيقي والشعر، الأمر الذى يهيئ للمجتمع ككل فرصة للتذوق الأدبي والفنى.

وبالتالي نرتقى بذائقته الفنية والأدبية والإنسانية، وندفعه بشكل قوي في طريق التحضر وتقبل ثقافة الآخر والانفتاح على العالم الخارجي، والمشاركة بإيجابية في المجتمع. فإحساس الحاكم أو المسؤول بأن المجتمع لا يحتاج فقط للخبز والماء الذى هو غذاء الجسد، بل يحتاج أيضا إلى الثقافة التي هي غذاء الروح, تجعله يهتم بالواقع الثقافي وبالسعى نحو تأسيس بنية تحتية ثقافية، والاهتمام بالمثقفين ورعايتهم، والسعي نحو تأسيس واقع ثقافي متحضر بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ.

فالثقافة مسؤولة عن البناء الفكري والعقلي للفرد، وهي بالتالي مسؤولة عن خلق إنسان واعٍ يحس بالآخرين ويتعاطف معهم، ويتقبل ثقافات الآخرين ويتفاعل معها. مسؤولية الحاكم الثقافية ليست من المسؤوليات الجديدة للحكام.

فمنذ بدء الحضارات اهتم الحكام والملوك بالثقافة ومفرداتها، لكونها دلالة قوية على رقي المجتمع وتحضره. فكانت بلاطات الملوك وكبار رجال الدولة تزخر بالعديد من الشعراء والأدباء والفلاسفة والفنانين، بل إن بعض بلاطات الملوك والمسؤولين المسلمين كانت عبارة عن منتديات مفتوحة، تعج بالشعراء والفنانين والموسيقيين والفلاسفة. ونذكر، مثلا، بلاطات خلفاء الأمويين والعباسين.

فبلاطات الخليفة هارون الرشيد والخليفة المأمون، اشتهرت بأنها مراكز علمية نبغت فيها أسماء لأدباء وشعراء وموسيقيين وفلكيين لامعين، أثروا ليس فقط الحضارة العربية الإسلامية، بل الحضارة العالمية بأسرها، حيث كان شعاع الحضارة يخرج من هناك ليتمد أثره إلى كافة أرجاء المعمورة. كما كانت تلك البلاطات منتديات ثقافية، تناقش فيها الأفكار الجديدة والاختراعات العلمية المفيدة.

والتي غيرت وجه الحضارة العالمية. ولا يخفى على أحد ما للمسؤولية الثقافية من تأثير على توجه الحاكم الإيجابي تجاه قضايا المجتمع، وأيضا على توجه أفراد المجتمع ككل. فالمسؤولية الثقافية تجعل الحاكم إنسانا متواضعا ذا مشاعر مرهفة، يحس بأحاسيس شعبه ويتفاعل معها، كما تزيل الحواجز المصطنعة بين الحاكم والمحكومين، تلك الحواجز التي تجعل الحاكم معزولا، لا يفكر إلا في نفسه ومنصبه، وبعيدا عن هموم شعبه.

تلك هي الحواجز المصطنعة التي عناها الأديب جبرا، عندما نظر إلى حال المجتمعات العربية وما فيها من تردٍّ وفساد وتدهور، وقارنها بحالنا هنا في الإمارات، كما قارن حال الحكام العرب وتكالبهم على السلطة وجمع المال.

وحال رموزنا الوطنية التي التقاها أو سمع عنها في حينها. ويبدو أن جبرا قد استشف حال المجتمعات العربية وما سوف تؤول إليه، من خلال تلك المقارنة. فلو كان جبرا على قيد الحياة الآن لرأى بأم عينه ما آلت إليه الأوضاع في المجتمعات العربية التي عناها، والتي شهدت ثورات هدفت إلى تغيير شامل وجوهري لوجه تلك المجتمعات ونقلها من حال إلى آخر.

إن المسؤولية الثقافية هي مصطلح كبير وشامل، لا يعني الثقافة فقط، ولكنه يعني وجود الدوافع الإنسانية التي تهدف إلى التفاعل الإيجابي مع قضايا العالم المحيط بنا.. إنها تهذب حس وروح المسؤول، وتجعله يتفاعل بشكل إيجابي مع نبض شعبه وتطلعاته.

وكما تهذب الروح، تعمل أيضا على تهذيب الحس الاجتماعي، فتجعل الحاكم إنسانا متواضعا واسع الأفق، يفكر في الكيفية التي تجعل من منصبه هدفا لخدمة شعبه ومحيطه العالمي، وليس في خدمة أهدافه الشخصية ومنافعه الخاصة. وجود تلك المسؤولية الثقافية، تخلق من الحاكم حاكما مستنيرا، يمتلك ضميرا حيا يسيره، وروحا شفافة مرهفة تسيطر عليه.

ورغبة دائمة في إسعاد الآخرين. كما أن وجود تلك المسؤولية يجعله واحدا من الشعب، يتفاعل معه ولا يبدي ضيقا أو تبرما من احتياجات الآخرين ومطالبهم. في نفس الوقت، فإن غياب المسؤولية الثقافية يخلق منه حاكما مستبدا أنانيا، لا تحركه إلا دوافعه المادية فقط، ولا يتطلع إلا لتحقيق مكاسب وانتصارات وهمية؛ الحواجز بينه وبين شعبه كثيرة ومتتعددة، والفوارق الطبقية بين بطانته وشعبه كبيرة.

نحن هنا في الإمارات حظينا بحكام امتلكوا من أخلاق ومن روح المسؤولية الثقافية، الكثير. فقد حظينا بحكام هم أنفسهم مثقفون وشعراء وأدباء ومطلعون وفرسان للكلمة، تجلى همهم ليس فقط في تفاعهلم الإيجابي مع مجتمعهم واحتياجاته، بل في شعورهم بالمسؤولية الثقافية تجاه الآخر، فقد امتدت مسؤولياتهم الثقافية خارج حدود الوطن لتصل للعالم أجمع.

فمن تلك الجوائز العالمية التي رصدت لتشجيع العلم والعلماء وإشاعة ثقافة السلام العالمي، إلى رعايتهم وحرصهم الدائم على حضور الملتقيات الأدبية والثقافية، مرورا برعايتهم المستمرة والكريمة للعلم والعلماء، تجلت روح المسؤولية الثقافية في أبهى حللها. كما أن تبرعهم السخي والدائم للمراكز العلمية في العالم العربي أو حتى العالم الغربي، لدليل قوي على وجود تلك المسوؤلية الثقافية عندهم، تلك المسؤولية التي لولاها لما أصبحت علاقتنا مع حكامنا مضربا للأمثال.

إن عالمنا العربي ومسؤوليينا العرب، هم أحوج اليوم لوجود روح وأخلاق المسؤولية الثقافية التي تشيع جوا من الوئام في المجتمع، وتزيل الحواجز الكثيرة المصطنعة بين الحاكم والمحكوم. إنها تجعل من الحاكم أو المسؤول بشرا يتفاعل مع هموم شعبه وتطلعاته، ومع احتياجات عالمه المحيط به.. وفي مقابل ذلك، تجعل شعبه ينظر له بوصفه سندا وعونا، وليس قائدا مستبدا أنانيا.