إن الحرية إرادة فطرية تتوق لها النفس الحرة الزكية، وهي أمر صادر عن إحكام العقل وتحكمه، ومبادئ الأخلاق والعدالة والإنصاف. وقد جاءت الشرائع السماوية جمعاء تحث على مبدأ الحرية، انطلاقاً من تحرير العبد من عبادة الأوثان والإشراك والأضداد إلى عبادة الواحد الديان.
فهذا الاسترقاق العقلي الدنيء هو أول الصور التي يتحرر منها الإنسان عند إعمال عقله والمنطق السليم، بالعبودية الحقة لله تعالى التي هي سبيل إلى الحرية والسيادة الحقيقية، لأنها تعتق القلب من رق المخلوق، وتحرره من الذل والخضوع لغير الخالق من أنواع الآلهة والطواغيت التي تستعبد الناس وتسترقهم أشد ما يكون الاسترقاق والاستعباد. فتحرير الإنسان وعقله من أي أمر يقيده هو أمر واجب.
ذلك أن العقل السليم يوصل بدلالته ومفاهيمه المتوارثة والمتمنطقة إلى الاستدلال إلى معرفة الله عز وجل خالق الكون والبشر، ومن ثم كان وجوب طاعة أمره والامتثال له سبحانه وتعالى، من خلال إعمال ما هو مقرر أداؤه، والامتناع عما هو منهي عن فعله.
أما وأن الناس قد ضاقوا ذرعاً بأحوالهم، بعدما هبت الدنيا في وجوههم مزمجرة بغلاء فاحش في العالم أجمع، وحروب ودمار وعدم استقرار، إلى أن جاءت بعض القوى وفكرت في طريقة تقلص بها أعداد البشر الذين بلغوا سبعة مليارات نسمة في العالم، مما ينبئ بكارثة حقيقية ومجاعة طاحنة تأكل الأخضر واليابس، إن بلغ عدد الناس عشرة مليارات نسمة خلال السنوات القادمة.
وهذه الجهات لا شك أنها تتخذ من المادية شعاراً لمنهجها، فأرادت أن تخطط لإدارة الأرض، ناسية أو متناسية قدرة الخالق الذي خلقهم وتكفل بعطائهم وحرمانهم، فهبت لخلق الحروب في بعض المناطق، وتوعدت العالم العربي بنظام وتقسيم جديد تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد".
وبدعوى الحرية المزعومة المبنية على أسس الغرب والمتمنهجة حول مفهوم الإباحية أولاً، أي أن تفعل ما تشاء، مع من تشاء، كيفما تشاء، وفي أي زمان أو مكان تشاء. فهي الحرية المتوارية خلف الحجب، والتي ستظهر بعدما مهدت لها الحرية المادية كمنهج ثانٍ لتحقيق مآرب الحرية المزعومة، فالمال مال صاحبه ولا أحد يشاركه، فلا صدقة ولا زكاة ولا شيء يؤخذ من ماله.
أما المنهج الثالث من الحرية فهو عدم الالتزام الخلقي، وهذا متطلب يسعى إليه بعض الأنظمة لإبعاد المسلمين عن شعائرهم التي تنهاهم عن الفحشاء والمنكر والتفريط في أدائها، والإفراط في الملذات. أما المنهج الرابع من الحرية فهو الأنانية، أي "أنا ومن بعدي الطوفان".
فتدعو كل شخص ليفكر في مصلحته الشخصية، لدرجة أن يصل بالمرء أن يدعو زوجته لوجبة عشاء يتقاسم فيها الطرفان سداد الفاتورة، إلى أن وصل الأمر إلى حد الأنانية في الإنفاق على الأبناء، فيترك أحدهم ابنه ليعمل منذ أولى سنوات عمره لينفق على نفسه، وتترك البنت بعد بلوغها الرابعة عشرة لتبحث عن صاحب لها يشبع غريزتها ويكفي والديها عناء حمل همها إلى أن تتزوج، فهي أقدر بنفسها على نفسها.
هذه هي صورٌ من الأنانية المحلاة بسكر الحرية، حتى باتت اليوم الدعوى للحرية تلح على فكر وعقل الكثيرين من المتذمرين على أنظمتهم، وإن كانت هذه الأنظمة معتدلة وعادلة مع مواطنيها، ولكنه البطر الفكري الذي يشد بعض مرضى القلوب إلى الإفراط في استعمال الحق، وهو أمر مرفوض.
وعلى أولئك ـ أي أصحاب البطر الفكري ـ ينطبق قول الحق تبارك وتعالى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) (البقرة 10-12).
ولذلك كان لزاماً على الناس أن ترجع إلى منهج ربها الكريم، فقد قال عمر الفاروق رضي الله عنه (لا عز لنا إلا بالإسلام)، فلا عزة للمسلمين إلا بالرجوع لدينهم والتمسك بمنهجهم القويم، وعدم التعويل على القوى والأنظمة التي تصفق لها، لأنها ـ أي هذه القوى والمنظمات ـ ما كانت لتصفق للعرب والمسلمين لو علمت أن في ذلك خيرا لهم.
إن الإسلام هو الدين الحق الذي حرر الإنسان من العبودية، بدءاً من عبادة الدنيا الدنية المتمثلة في المصالح والأغراض الشخصية، وحثه على عبادة الخالق الواحد الأحد، لتطهير النفس من الأدناس والأرجاس. ألا وإن كل من استكبر عن عبادة الله كان لابد له من أن يبحث له عن رب سواه، فقد قال أحد الحكماء "كل من استكبر عن عبادة الله لابد من أن يعبد غيره يسترقه ويستذله".
لقد سعى الغرب حثيثاً لتحرير المسلمين من دينهم، طاعنين على سلوكياتهم وفرائضهم ومنفرين منها كونها تمثل التزاماً، فدعوا لوجوب الخلاص من هذه الالتزامات بدعوى الحرية، حتى وصل الأمر بالقوم إلى الدعوة للحرية بطول اللسان والخروج على الأنظمة، حتى يهيم الناس في فوضى لا يمكن تداركها. ألا وإني أدعوكم إلى الرجوع إلى الله عز وجل ودينكم الحق، وامتثال أوامره والامتناع عن نواهيه، لأن الإنسان لا يمكنه أن يسير دون نظام، وإلا لسادت شريعة الغاب في كل مكان ومجال وفي الطرقات والشوارع، وفي المعاملات المالية واقتصاص الحقوق والعقوبات وغيرها.
ألا وإني أؤمن على قول كار ماركس، إذا ما فسرنا قوله وفق ما نراه، "من أن الدين أفيون الشعوب"، فهو قصد أن الدين يحجر على العقل، وأنا أعني أن الدين مهذب للأخلاق ومسيطر على الفوضى ومحجم من حب الشهوات الدنيوية، فما أحوجنا إلى هذا الأفيون حتى تستكن النفوس وتهدأ الجوارح ولا تلهي نفسها بمتطلبات الحرية المفرطة، ولكي لا نندم جميعاً في يومٍ من الأيام ونقول تسقط الحرية.