كان العام 2011 بما حمله من ثورات عربية وتحركات شعبية عمت معظم أنحاء الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، منعطفاً تاريخياً، حيث ستكون المرحلة القادمة مرحلة مختلفة عن تلك التي عشنا في ظلها أكثر من أربعة عقود وربما أكثر. والمنعطفات التاريخية هي فترات التغير الاجتماعي والسياسي، بما تحمله عملية التغير من مخاضات عسيرة، وبما تتضمنه من تفاؤل ومن توقعات قد تفوق ما يستطيع النظام الجديد تحقيقه، ناهيك عن القوى التي ستستلم السلطة وتدير دفة الدولة وتوجهاتها المختلفة وتضارب مصالحها ورؤاها.
إن المختلف في المشهد الحالي، هو أن جميع القوى السياسية ذات القواعد الشعبية العريضة، وعلى الأخص الجماعات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمون، باتوا يطرحون الديمقراطية كنظام للحكم، بما تحمله من مفهوم لتداول السلطة وحكومة الأغلبية المنتخبة عبر صناديق الاقتراع.
الكل بات يتكلم عن الديمقراطية بالمفهوم "الليبرالي"، الذي يشير إلى الناحية السياسية البحتة في العملية الديمقراطية. وهذا طلاق بائن بينونة كبرى مع مضمون هذا اللفظ الذي كانت تلوكه ألسنة جميع القوى السياسية في الحقبة السابقة، وخاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
فقد حمل شعار الديمقراطية الشيوعيون والبعثيون والقوميون، وكانوا لا يعنون به الانتخابات الحرة وتداول السلطة والحريات العامة وعلى رأسها حرية الرأي، بل كانوا يعنون به حكم الأحزاب الطليعية التي تشكل عادة جبهة تتولى الحكم، بادعاء أن برامجها تمثل تطلعات الجماهير، وسارت تلك الأحزاب وفقاً للمركزية الديمقراطية، أي ممارسة النقد والنقد الذاتي وإبداء الآراء ضمن المؤسسات الحزبية المغلقة، وليس عبر وسائل الإعلام. وكان هؤلاء يفترضون أن الحزب الحاكم قادر على تقويم ذاته وإصلاح الاعوجاج فيه.
وهو رأي ثبت بطلانه بالممارسة الطويلة لتلك الأحزاب في السلطة، في الكثير من الدول العربية، حيث اضمحلت الممارسة الديمقراطية حتى في أضيق حدودها الحزبية، وتحولت تلك الأحزاب إلى كيانات فارغة لا تعدو كونها جزءاً من مكملات النظام وملحقاته. وتحولت تلك الأنظمة لتعتمد على البنى الاجتماعية لقادتها، حيث أصبح من يمسك بزمام الأمور فيها الأقرباء وأهل العشيرة والطائفة، بدلاً من الحزبيين الذين ظلوا على وفاء لمبادئهم ولم يغيرهم بريق السلطة وامتيازاتها.
أما الإسلاميون فقد أنفوا من استخدام لفظ الديمقراطية في البداية واستبدلوها بالشورى، ودخلوا في جدل طويل حول هل الشورى ملزمة لولي الأمر أم معلمة، بمعنى هل ولي الأمر لا بد له أن ينصاع لرأي الجمهور، أم يستأنس برأيه فقط، فيأخذ ما يراه هو صواباً ويعرض عما دون ذلك؟
ثم أصبحت لهم تجارب في الحكم، في إيران والسودان وأفغانستان طالبان وفي العراق. ورغم أن ظروف كل تجربة في هذه الدول الأربع تختلف عن الأخرى، إلا أن القاسم المشترك بينها هو أن حكم الأحزاب الإسلامية هو حكم طائفي بالضرورة.
فتجربة إيران غدت معروفة، فمنذ اليوم الأول أعلن أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً شيعياً، وحكم الإسلاميين في السودان أجبر أهل الجنوب على الانفصال، لأن حزب الإخوان هناك بقيادة الترابي ثم من بعده البشير، أرادا تطبيق الشريعة الإسلامية على مواطنيهم في الجنوب الذين يدينون في غالبيتهم بالمسيحية.
ويتساءل المرء: لو كان هذا الحزب حكيماً ألم يكن السودان اليوم دولة موحدة بنظام فيدرالي يرضي الجميع؟ أما ما فعله حكم طالبان في أفغانستان من تفرقة بين المواطنين في الفترة القصيرة التي حكم فيها، فحدث ولا حرج! وها هو العراق، تحت حكم الأحزاب الإسلامية من شيعية وسنية، وقد تمزق إرباً!
لكن، قد تكون تلك التجارب المرة دروساً وعظات لجميع القوى السياسية في هذا المنعطف التاريخي الذي نمر به، وأظن أن الجماعات اليسارية بكل أطيافها ـ وهي الأضعف الآن ـ قد استوعبت الدرس. والمأمول أن تكون الجماعات الإسلامية، خاصة في الدول العربية ذات الثقل السكاني كمصر مثلاً، قد استوعبت دروس الماضي أيضاً، وأن لا تكون شعاراتها في الدولة المدنية والمواطنة مجرد شعارات لكسب الأصوات، لأنه لو كانت كذلك، فإننا سنعيد مآسي الماضي مرة أخرى.
ولعله من المفيد تذكير الإسلاميين وقد غدوا القوة الأساسية، أن الديمقراطية لا تعني الذهاب إلى صناديق الاقتراع فحسب، بل هي أسلوب حياة وطريقة في رؤية الأشياء. وبالتالي فإن هؤلاء مطالبون بالتخلي عن ذلك الخطاب "التعبوي" الذي كانوا يطرحونه، من قبيل تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الكفر، و"جاهلية القرن العشرين" والنظر إلى الأقليات "كأهل ذمة".. وغيرها مما تمتلئ به خطبهم وأشرطتهم وكتيباتهم.
فما يتمناه المرء من هؤلاء، هو أن يستخدموا قوة الدين كقوة بناءة لدفع الإنتاج وتحريك الاقتصاد، خاصة في تلك البلدان العربية غير النفطية كمصر. ألم يفسر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، ظهور النظام الرأسمالي في القرن السادس عشر، الذي كسر جمود الإقطاع وأطلق قوى الإنتاج من عقالها، بظهور حركة الإصلاح الديني البروتستانتية في تلك الفترة، وتعاليمها التي هيأت وبشكل غير مباشر ودون قصد، الأرضية الروحية لنظام اقتصادي غزا العالم كله؟
فلتكن قوة الدين الروحية باعثاً للعمل المنتج والإتقان، في هذا المنعطف التاريخي.