في الأساطير اليونانية، حكم على العرافة كاساندرا بأن تقول الحقيقة، وبأن يتم تجاهلها كذلك. وتتمثل نسختنا الحديثة من هذه العرافة، في اليونان المفلسة التي يبدو أننا نتجاهلها.
وتكثر الآن الأخبار التي تشير إلى استجداء سكان أثينا الفقيرة للصيدليات، من أجل الحصول على عقار الأسبرين النادر، فيما يتم حصر اليونان مالياً لتتمكن من سداد ديونها والفوائد المترتبة عليها للبنوك الألمانية، التي يفترض أنها معسرة.
قد يكون هذا النوع من الأخبار مبالغاً فيه، ولكنه حتماً يحذرنا من أنه يستحيل ضمان تحقيق تقدم سنوي. وبدلا من ذلك، فإن التاريخ يقدم لنا العديد من الأمثلة، التي تدل على أن الحياة أصبحت أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل قرون من الزمن. وقد كتب بلوتارك.
وهو كاتب سيرة يوناني، بعد مرور 500 سنة على أمجاد اليونان الكلاسيكية، متحسراً على أن الحشائش في عصره نمت بين الأروقة الخالية للمدن-الدول اليونانية المستقلة، التي كانت في يوم من الأيام مثيرة للإعجاب. وفي أميركا، يفضل معظم الأميركيين العيش في ديترويت عام 1941، على العيش في ديترويت عام 2011. وقد تراجعت نوعية السفر الجوي اليوم إلى مناخ خدمة حافلات الأمس.
وفي عام 2000، افترض اليونانيون فيما يبدو، أنهم أصبحوا أغنياء فجأة بفضل مقرضي الاتحاد الأوروبي المكتشفين حديثاً والمحملين بالأموال، على الرغم من أنهم بالتأكيد لم يحصلوا على ثروات جديدة من خلال زيادة الإنتاجية أو اكتشاف المزيد من الموارد الطبيعية أو زيادة الاستثمار والادخار الجماعي.
وتلاشى سراب اليورو قصير الأمد، وتتراجع الحياة في أثينا إلى أيام ما قبل الاتحاد الأوروبي في سبعينات القرن الماضي. وفي تلك الفترة، كان معظم السلع المستوردة مكلفا للغاية بحيث يصعب شراؤها، وكانت خدمات الرعاية الطبية تفتقر غالباً إلى الحداثة، وكانت المدينة أشبه بإسطنبول تركية منها بميونيخ أوروبية.
ويتعين على الولايات المتحدة أن تعير كاساندرا اليونانية الحديثة انتباهها، نظراً لأن موعدنا مع الواقع يقترب بسرعة، إذ إن تكاليف فوائد الدين الأميركي المتنامي، الذي تزيد قيمته على 15 تريليون دولار، بدأت في استنزاف النفقات الأخرى في الميزانية.
ولم يعد الأميركيون أثرياء بما يكفي لاقتراض مئات المليارات من الدولارات لاستيراد النفط، في الوقت الذي يديرون ظهورهم لاكتشافات النفط والغاز الهائلة الجديدة، التي يتم العثور عليها تحت الأراضي والبحار الأميركية.
وعلى امتداد 40 عاماً، عمد سكان كاليفورنيا إلى زيادة الضرائب، وتضخيم حكومتهم، وتوسيع نطاق الاستحقاقات إلى حد كبير، وجعل الأراضي الزراعية والغابات وحقول النفط والغاز، مناطق يحظر الاقتراب منها، وفتح تلك الحدود لملايين المهاجرين غير الشرعيين. ويبدو أنهم افترضوا أنهم قد ورثوا ثروة كبيرة من الأجيال السابقة، وأن ولايتهم كانت غنية بالفطرة، وأن تحسن الحياة المستمر كان حقاً طبيعياً اكتسبوه بالولادة.
لم يكن أي من ذلك صحيحاً. والآن، كما حدث في اليونان، فإن القشرة الخارجية للحضارة تثبت أنها رقيقة للغاية في كاليفورنيا، إذ لم تعد المستشفيات تملك المال الكافي لتقديم رعاية طبية متطورة على المدى الطويل، للمحتاجين إليها. ولم تعد المدن تملك الأموال اللازمة لحماية نفسها من الوابل المألوف من الدعاوى القضائية الشهرية.
وعندما ينتزع اللصوص الأسلاك النحاسية من مصابيح الشوارع، تبقى الشوارع مظلمة. ويفضل معظم سكان الولاية في هذه الأيام، زيارة طبيب الأسنان على الاصطفاف في طوابير دائرة السيارات. وغرف الطوارئ في المستشفيات لا تملك متسعاً من المساحة، ولا تتصرف كما لو أن هناك حالة طوارئ.
ولا تعتبر حركة السير على معظم الطرق السريعة في الولاية، أفضل حالا مما كانت عليه قبل 40 عاما، بل أسوأ بكثير في معظم الأحيان، بالنظر إلى البنية التحتية المتهالكة وزيادة عدد المركبات. والمدارس العامة التي كانت ممتازة في وقت من الأوقات، تقترب درجاتها من المستوى الأدنى في الاختبارات الوطنية.
ويواصل نظام جامعة ولاية كاليفورنيا إضافة إداريين جدد، إلى درجة أن عددهم بات يضاهي عدد أعضاء هيئة التدريس تقريباً، على الرغم من أن نصف عدد الطلاب الذين يلتحقون بالجامعة، يحتاجون إلى دروس تقوية في القراءة والرياضيات.
وعلى الرغم من إنفاق الملايين من الدولارات على دروس التقوية، فإن نصف الطلاب يعجزون عن التخرج. ويتم إلقاء اللوم على دافعي الضرائب في محاضرات متواصلة، لعدم دفعهم المزيد من المال، بدلا من انتقاد الإداريين لعدم إجرائهم قدراً كافياً من الإصلاحات.
في عام 1960، كان هناك عدد أقل بكثير من المسؤولين الحكوميين، ومن السجون والقوانين والمحامين، ومع ذلك فقد كانت الولاية أكثر أماناً مما هي عليه بعد مرور نصف قرن من الزمن. وغالباً ما يصاحب التقدم التكنولوجي، سواء أجهزة "آي فون" أو "إكس بوكس"، الانحدار الأخلاقي. وحتى الآن، لا توجد حشائش في مدننا، ولكنها قد تنمو عما قريب.
لقد نسي المواطن العادي في كاليفورنيا، كما نسي المواطن اليوناني العادي، أن الحضارة هشة. فاستمرارها يتطلب احترام القوانين، والتعليم الصارم، والادخار الجماعي، والاستثمار الخاص، واعتماد الأفراد على أنفسهم، ورموزاً مشتركة للسلوك والكياسة، وهو لا يعفي أحداً من تلك القواعد. ويمكن لهذا النوع من المعرفة وأنماط السلوك المتحضر، التي تتراكم ببطء على مر القرون، أن تضيع في غضون جيل واحد.
ولو أن شخصاً فطناً زار أثينا أو لوس أنجلوس، خلال العقد الماضي، لما كان ليدرك أن الأمور لم تكن على ما يرام فحسب، بل كان سيخلص أيضاً إلى أن الأمور لا يمكنها أن تظل على ما هي عليه. ولذا فهي لا يمكنها أن تظل كذلك.
واشنطن، رجاء انتبهي.