قبل عام هبت رياح الربيع العربي على العديد من الدول العربية، وحملت بذور التغيير في تلك الدول بما ينسجم مع مطالب الشعوب المحقة في حياة ديمقراطية تطرح عصور الاستبداد بعيداً، وتتماشى مع طموحات الشعوب في فضاء آخر يكسر قيود الجمود.

وتثبت دول مجلس التعاون كل يوم أنها وفية لانتمائها العربي وحاضنتها القومية، وتتوالى مواقفها في الأزمات لتؤكد رعايتها للهم العربي، ووضوح استراتيجيتها وثبات منطلقاتها المنسجمة مع تفكيرها الوحدوي الذي ترجمته عملياً في اتحادها الميمون. مواقف راسخة أمام ثوابت القضايا العربية والانحياز للحقوق الواضحة للشعوب العربية، حتى لو كانت على حساب تقلبات الأنظمة التي لا تتجاوب مع مطالب تلك الشعوب، لأنها تؤمن أن وقوفها مع الشعوب وقوف مع الأبقى، وانحيازها للحقائق الديمقراطية مطلب إنساني بالدرجة الأولى.

هذا الواقع ترجمته دول مجلس التعاون على طول مسيرتها وعلى اختلاف تقلبات الوضع العربي، فكانت جزءاً أصيلاً فاعلاً ومؤثراً في منظومة العمل العربي، تسجل حضورها إزاء أي طارئ أو مشكلة، ولا تنأى بنفسها عن أي مبادرة تسهم في تقديم الحلول القريبة الضامنة للاستقرار العربي.

كانت دول مجلس التعاون حاضرة بقوة مع أول ثمار هذا الربيع العربي، فوقفت من دون تردد في جانب الحق، لا تعبأ بالحسابات الضيقة ما دام الموقف ينسحب إلى مستقبل الشعوب وهي الأبقى، وهذا ما ترجمه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حين سئل عن الربيع العربي ورؤيته له، فقال "إن الربيع العربي هو تعبير عن الشعوب العربية التي انتظرت لوقت طويل"، وأشار إلى أن "بعض الحكومات تعمل لمصلحتها، بغض النظر عن مصلحة الشعب".

لم تتردد دول مجلس التعاون في الوقوف سريعاً مع مطالب الشعب التونسي والليبي واليمني والمصري، واليوم تسجل موقفها الواضح مع الشعب السوري ومطالبه، مستندة إلى إرثها العربي ومنطلقاتها الإنسانية الناصعة. وقد وضعت دول الخليج ثقلها عبر مبادرات عديدة كانت فيها اللاعب الأساسي والمحوري، متجاوبة مع إيمان تلك الشعوب بقدرات دول الخليج ورؤيتها البعيدة، وحرصها الدائم في تقديم النموذج العربي على التضامن الحقيقي مع قضايا الشعوب، ثم القدوة الخليجية الوحدوية القادرة على أخذ زمام المبادرة في المواقف الحرجة.

ولا أحد ينكر ما تملكه دول الخليج من أدوات التأثير التي تستطيع من خلالها التجاوب بفعالية مع التفاعلات التي تشهدها المنطقة، لتقوم بدور قومي قيادي، مستندة إلى تجربتها الوحدوية التي أعطت قوة ذاتية للمجلس، يستطيع من خلالها تحقيق رؤاه بما يضمن استقرار المنطقة والاستفادة من أعلى ثمرات الربيع العربي. غير أن ما يحسب لموقف دول الخليج عموماً، فضلاً عن الثوابت السياسية خارج أراضيها، هو أنها بقيت حاضنة للشعوب العربية على كثرة الهزات التي نالت بلدانهم.

وفتحت ذراعيها لاستقبالهم في أراضيها، ولم تبخل على الأسر التي لجأت إليها بأجواء الأمان والحرية، فاحتضنت تلك الأسر وأبناءها المقيمين على أرضها، ولم تتعامل معهم بحدية أو حيادية، بل كانت نِعم الناصر لهم، وهو موقف تدفع إليه الثوابت العربية التي تنطلق منها دول الخليج العربي وتمارسها بشكل مستمر عبر مسيرتها الطويلة، ولم تتردد يوماً في أن تكون القلب الدافئ للعرب حين تحيق بهم الملمات. واليوم لا تزال أعين العرب مشدودة نحو الريادة الخليجية لقضايا المنطقة العربية العالقة، لتتجاوز بأمان موجات التغيير التي لا بد من اتمامها، لأنها إرادة شعوب عرفت أين تضع مصائرها.

وتسعى دول الخليج لأن تكون على قدر المسؤولية المناطة بها، لا تقصر في ذلك، مدركة أنها تسير في الطريق الصحيح، الذي رسمته القيادات الخليجية لطبيعة العلاقة مع الثوابت التاريخية، على الرغم من بعض المحاولات الفاشلة من بعض المتصيدين في المياه العكرة على الدوام، أولئك الذين كانوا منتفعين من بقاء وهم الأنظمة السابقة التي مرت عليها عجلة التغيير ورياح الربيع العربي، فأثارت منهم الكثير من التشكيك الذي يتزعمه الموالون لأنظمة الفساد، مصرّين على إدخال أوهامهم في النوايا الطيبة، في محاولة للنيل من نقاء الجهد العربي الأمين على وحدة الشعوب وحماية مطالبها وحريتها.

إلا أن ذلك لم يؤثر في سعيهم من أجل تحقيق أهداف الشعوب التي طالبت بحريتها، لأن سمو الهدف أعمق من الوقوف أمام كل كلمة تقال من هنا أو من هناك. وهذه البراغماتية التي تتعامل بها دول مجلس التعاون الخليجي، ستبقى بقاء حاجات الشعوب العربية لها، وستكون حاضرة مشرّفة في كل ميدان، حضور الفاعل المؤثر المؤطر للمشهد العام بكل تفاصيله، على الرغم من تحدياته.