نظراً لكثرة الزلازل المدمرة التي تعرضت لها، ولغياب الموارد الاقتصادية الوفيرة على أراضيها، تعرضت اليابان في تاريخها المعاصر إلى أزمات اقتصادية حادة. فقد أدى زلزال كبير ضرب مدينة طوكيو وجوارها عام 1923، إلى دمار اقتصادي هائل، وهجرة يابانية كثيفة إلى أميركا اللاتينية، أنتجت تجمعا يابانيا في البرازيل تجاوز المليون ونصف المليون برازيلي من أصل ياباني.
وتلقت اليابان أول قنبلتين نوويتين أميركيتين عام 1945، تسببتا في وفاة أو تشويه أكثر من ثلاثمائة ألف ياباني، بالإضافة إلى خسائر هائلة نجمت عن القصف الأميركي لإجبار اليابان على الاستسلام في نهاية الحرب العالمية الثانية.
لكن إرادة اليابانيين على تحدي كوارث الطبيعة والكوارث الناجمة عن الإجرام البشري، نجحت في تجاوز الأثر السلبي لتلك الكارثة، وأطلقت المعجزة الاقتصادية التي حولت اليابان إلى الاقتصاد الثاني على المستوى العالمي. فجاء حظر النفط العربي ليضعف الاقتصاد الياباني ويعيق نموه. وتعرضت اليابان لأزمات متلاحقة نجمت عن الحرب العراقية ـ الإيرانية، والزلزال المدمر الذي ضرب منطقة كوبيه عام 1995 وذهب ضحيته أكثر من ستة آلاف قتيل وآلاف الجرحى، وأحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في الولايات المتحدة، والغزو الأميركي للعراق، وتصاعد حدة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، وانتفاضات الربيع العربي في عام 2011.. وكثير غيرها.
مع ذلك، نجحت اليابان حتى الآن في تخطي تلك الأزمات، من خلال سياسة براغماتية متحركة، تتلاءم مع التبدلات المتسارعة في دول الجوار الآسيوية وفي منطقة الشرق الأوسط، بما يضمن مصالحها الحيوية والحفاظ على موقع متقدم لها في الاقتصاد العالمي.
لكن الكارثة المدمرة التي حلت باليابان من خلال الزلزال الهائل الذي تجاوز التسع درجات، وما أعقبه من تسونامي تجاوز العشرة أمتار، وتسرب الإشعاعات من ثلاثة مفاعلات نووية في منطقة فوكوشيما، تركت آثارا سلبية للغاية على اقتصاد اليابان تقدر بأكثر من ثلاثمائة مليار دولار. وبات أمن الاقتصاد الياباني، الذي كان يعيش مرحلة "اقتصاد الفقاعة" منذ العام 1993، في مرحلة بالغة الخطورة؛ لأسباب يابانية محلية من جهة، وللنتائج السلبية التي خلفتها الأزمة العامة للرأسمالية على الاقتصاد العالمي منذ العام 2008، من جهة أخرى..
1- فأمن الاقتصاد الياباني يتطلب ضمان مصادر التزويد النفطي، والحفاظ على سياسة الباب المفتوح أمام السلع والرساميل اليابانية. وهي سياسة ثابتة منذ الأزمة النفطية لعام 1973 حتى الآن، وذات صلة بارتباط اليابان الوثيق بالسياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، رغم موقفها المنحاز دوما إلى جانب إسرائيل.
2- تعيش منطقة الشرق الأوسط الآن حالة غليان داخلي، بسبب الفساد السياسي والإداري والمالي الذي يعم جميع دول المنطقة، ففشلت سياسات التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة في غالبية دولها، وارتفعت نسب الفقر والبطالة والأمية والتصحر، وزادت حدة الصدامات الدموية بين السلطة والشعب، وبين الجماعات العرقية، والقبلية، والطائفية، وغيرها. فقادت تلك الأزمات إلى الانتفاضات الشعبية في العام 2011، مما زاد في اضطراب أمن الاقتصاد الياباني، بسبب كثافة مصالح اليابان الاقتصادية في الشرق الأوسط.
3- لم تول اليابان في السابق اهتماما كبيرا للعلاقات الثقافية مع المنطقة العربية. وطوال النصف الثاني من القرن العشرين، بقيت تلك العلاقات في حدود ضيقة وصفها كثير من الباحثين بالقول: "النفط العربي مقابل السلع اليابانية". لكن صناع القرار العرب واليابانيين، عملوا على تغيير تلك المعادلة بصورة ملحوظة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فالتركيز على العلاقات التجارية دون سواها بين اليابان والعالم العربي، انعكس سلبا على الأمن الاقتصادي بين الجانبين في زمن الربيع العربي. فقادة اليابان ما زالوا يركزون على حجم التبادل التجاري والتوظيفات المالية فقط، دون النظر إلى حجم التبادل الأكاديمي، والثقافي، والفني، والسياحي، وغيرها.
4- استفاد اليابانيون كثيرا في علاقاتهم الاقتصادية مع دول الشرق الأوسط، لبيع كميات هائلة من السلع اليابانية في جميع الأسواق العربية، وتركيا، وإيران. في المقابل، أقاموا علاقات علمية وتقنية وثقافية متطورة مع إسرائيل، التي باتت اليوم من الدول المحظية جدا في علاقاتها مع الصين واليابان، بالإضافة إلى علاقاتها الاستراتيجية الثابتة مع الدول الأميركية والأوروبية، مما أوجد نقمة كبيرة لدى الجيل العربي الجديد. فرغم وفرة المصالح اليابانية في الدول العربية، لم تتم الاستفادة المتاحة من التكنولوجيا اليابانية المتطورة لإقامة مصانع للسيارات، أو الأدوات الكهربائية، أو المواد الطبية، أو صناعة الكومبيوتر وغيرها.
وتتحمل القيادات السياسية العربية مسؤولية مباشرة في هذا المجال، لأن توطين التكنولوجيا اليابانية واستخدامها في بناء نهضة صناعية عربية هي بأمس الحاجة إليها، تساهم في إيجاد فرص عمل لملايين الشباب الذين نالوا شهادات عالية من أرقى الجامعات العالمية، وامتلكوا مهارات تقنية كبيرة تساعدهم على تنمية دولهم. فتجاهل الأنظمة العربية لدور الشباب وقدراتهم العلمية والتقنية، أدى إلى هجرة كثيفة للأدمغة العربية، وتفجير انتفاضات شبابية طالت عددا من الدول العربية.
5- منذ مطلع القرن الحادي والعشرين عقدت مؤتمرات سنوية منتظمة، تناولت مستقبل العلاقات بين اليابان ودول الشرق الأوسط، خاصة العربية منها. وذلك بهدف تجاوز مقولة "النفط العربي مقابل السلع اليابانية"، وبناء مرحلة جديدة لتعزيز العلاقات الثقافية بين اليابان وجميع الدول العربية. فالعرب في أمس الحاجة إلى توطين التكنولوجيا المتطورة، لضمان أمنهم الاقتصادي والثقافي في زمن الانتفاضات العربية. وبإمكان العرب واليابانيين وضع برامج مشتركة لضمان أمنهم الاقتصادي، على قاعدة المصلحة المشتركة للجانبين.
ختاما، تشارك اليابان بفاعلية في النظام العالمي الجديد، وتعمل مع دول آسيوية كبرى في مجموعة "آسيان" لتحويل القرن الحادي والعشرين إلى قرن آسيوي بامتياز، تلعب فيه اليابان دورا علميا واقتصاديا مهما، إلى جانب الصين والهند وكوريا وباقي دول النمور الآسيوية. وهناك تطور ملحوظ في علاقات اليابان مع دول عربية تسعى إلى توظيف علوم اليابان وتقنياتها العالية، لتطوير البنى الاقتصادية والعلمية العربية. فالمصالح التي تجمع اليابانيين مع العرب تتعدى الأطر الاقتصادية الضيقة، لتطال الجوانب العلمية، والثقافية، والفنية، والإعلامية، والإنسانية أيضا.
وتساعد على بناء سياسة يابانية أكثر توازنا مع الدول العربية، تقوم على الاحترام المتبادل بين الشعوب، وضمان المصالح الحيوية لكلا الجانبين، مما يستوجب تطوير العلاقات الثقافية بين اليابان والدول العربية، من التبادل التجاري إلى الأمن الاقتصادي الذي ينبني على التفاعل الإيجابي بين شعوب متباعدة جغرافيا، لكنها تنتمي إلى ثقافات آسيوية ذات ركائز مشتركة، ولها دور مهم في بناء عولمة أكثر إنسانية من عولمة القطب الأميركي الواحد.