بعد عدة أعوام على ما جرى في نيويورك واشنطن عام 2001، كتب منظر العولمة الأمريكية الأشهتوماس فريدمان عبر صفحات النيويورك تايمز، متسائلا: "متى سيعبر الأمريكيون إلى الثاني عشر من سبتمبر"؟
السؤال كان يحمل دلالات خطيرة جدا، تتعلق بحالة الخوف والشلل التي أصابت المجتمع الأمريكي من جراء التمترس وراء الفعل الإرهابي وما تبعه، وعدم المقدرة على تجاوزه.
هل مشهد مصر الآني وفي غمرة الذكرى الأولى لثورة 25 يناير بات مشابها؟
ربما يكون ذلك كذلك بالفعل، لا سيما وأن حالة التشارع والتنازع المهيمنة على مقدرات الساحة الداخلية المصرية، تؤكد أن المصريين لم يبارحوا الأفق الزمني للخامس والعشرين من يناير، رغم رحيل النظام السابق، وكأنهم بذات القدر غير مهيأين للعبور إلى السادس والعشرين منه.
يصعب على المرء في المسطح المتاح للكتابة، الإلمام بثنايا ذاك الذي يجري في بر مصر المحروسة، هل هو ثورة أم انتفاضة؟ وإذا كان ثورة فهل اكتملت أم ليس بعد؟ وماذا عن التطورات السياسية التي شهدتها مصر عبر العام المنصرم؟ وهل دفعت المصريين إلى الوحدة أم عززت تفرقهم شيعا وجماعات شتى متنافرة متناثرة؟ والكثير من علامات الاستفهام التي تحمل مدلولات سلبية حتى الساعة.
ولعل المشهد الأهم والأكثر حداثة على الساحة المصرية، يتمثل في صعود تيار الإسلام السياسي وللمرة الأولى في تاريخ البلاد، إلى مقدرات الحكم. وإذا كان لا أحد يصادر حق المصريين في الاختيار، فإن علامة الاستفهام التي ترتسم الآن في سماوات مصر: إلى أي حد ومدى يمكن لهذه التجربة النجاح؟ هل ستماثل التجربة التونسية الإسلامية بمعالمها النهضوية، أم أنها ستكون صنوا لتجربة حماس في غزة؟ وبين التجربتين يبقى النموذج الإسلامي في تركيا مثالا فتيا ناضجا، حتى ولو أنكر إخوان مصر على أردوغان وصف تلك التجربة بالعلمانية، وكادوا أن ينقلبوا عليه بعدما رحبوا به على الطرقات.
يتمنى المرء لهذه التجربة النجاح لانتشال مصر من وهدة الضياع، غير أن ذلك ولا شك مشروط بعبور مآزق كبيرة وامتحانات عسيرة خلال الأيام القادمة، وأقربها الدستور، ووضعه، واللجنة التأسيسية الخاصة به، والتي ربما تكون بدورها اختبارا لقيام وسقوط كثيرين، ثم معركة الرئاسة وموقفهم منها، وغيرها من القضايا التي ستطفو على سطح الأحداث.
والشاهد أنه إذا كانت الثورات يخطط لها العقلاء والوطنيون ويقوم بها المغامرون، ويختطفها الانتهازيون، فإن هناك فصيلا عريضا من المصريين، فصيل شباب الثورة، لا يزال يشعر بحالة بائسة من الغبن السياسي. فقد كان هؤلاء الشعلة المنيرة لدرب الثورة، لكن عدم تنظيم الصفوف وغياب المانيفستو الثوري، واتجاهاتهم الإيديولوجية المتباينة، أضعفت حضورهم على صعيد الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ولهذا فإن عودتهم إلى الميادين مرة جيدة، ربما تكون انطلاقة لثورة ثانية، أو على الأصح لموجة ثانية من الثورة التي لم تكتمل، وتتوارى حتى الساعة وراء ليل الخامس والعشرين المنصرم، دون انبلاج فجر السادس والعشرين من يناير.
كذلك تبقى قضية الجيش والجدل الكثير المثار حوله، والتوجهات المنقسمة بين المؤيدين والمعارضين له. فهناك من يرى في العسكر حجر عثرة في طريق مصر الثورة، في حين يذهب البعض الآخر إلى القول إنهم على العكس من ذلك يمثلون "حجر الزاوية" في نجاح الثورة، ومن دون دعمهم ومساندتهم، حتى ولو كانت غير مباشرة، لأضحت مصر من قبل سوريا أخرى أو شابهت ليبيا.
والمقطوع به أن الجيش المصري مؤسسة وطنية عريقة، غير أن رجالها ليسوا جميعا ملائكة، فهم بشر يصيبون ويخطئون، كما أنه قد تم استدعاؤهم لأداء مهمة هي ليست لهم، ومحاولة النيل من تلك المؤسسة يخصم كثيرا من قدرة المؤسسة التي تمثل حائط الصد ضد أطماع الكثيرين في الداخل والخارج، وإن لم يعن ذلك وجود آليات للمحاسبة على الأخطاء.
ويبقى الخوف من الانهيار الاقتصادي سيد الموقف الآن، وقد بدا واضحا من خلال زيارة وفد صندوق النقد الدولي خلال الأيام القليلة الماضية، وكذا من تصريحات القائمين على الاتحاد الأوروبي، بأنه ما من شيء مجاني لمصر، وأن أي قروض أو مساعدات اقتصادية مرتبطة بالاستقرار في الداخل، ورؤية البرلمان القادم والحكومة الجديدة، وهل ستمضي في إطار من التوافق الوطني ولم الشمل بما يعيد للمصريين توحدهم بعد طول تفرق، أم العكس؟
الحديث يطول والقلق يعم، ولا يغفل محب لمصر الهواجس والقلاقل الطائفية، التي تدفع حتى الساعة بعشرات الآلاف من المصريين مسلمين ومسيحيين، إلى التفكير في ترك مصر للبحث عن ملاذات آمنة خارجها حتى تتضح معالم المشهد.
ما الذي يحتاجه المصريون للعبور إلى 26 يناير؟
أغلب الظن أن روح الانتقام لن تولد إلا مزيدا من الآلام والاحتقانات والعداوات، وربما كانت تجربة نيلسون مانديلا رائدة ونموذجا للنهوض بمصر اليوم، وهي تجربة لجان "الحقيقة والمصالحة"، وإلا فإن المصريين سوف يكونون بالفعل قد عملوا على إنجاح ثورة وإسقاط دولة.