من سقط المتاع القول بأهمية الإعلان ودوره في دفع عجلة الاقتصاد عبر التعريف بالخدمات والترويج للسلع، إلا أن أحدا لا ينكر أهمية أن يكون ذلك ضمن معايير مقبولة اجتماعيا، تهدف إلى الصالح العام.
فلقد استوقفني إعلان عن أحد المشروبات الغازية تجري أحداثه في قاعة دراسية، حيث ينتهز أحد الطلبة انشغال المعلم بالكتابة على السبورة، ويفتح مشروبًا غازيًّا ليشربه في القاعة، فينظر إليه المعلم، فيخفي الطالب المشروب ويستمر المعلم في الكتابة، وإذا بالطالب يعاود تناول المشروب في القاعة الدراسية، ثم ما لبث أن قام جميع الطلبة بفتح ما لديهم من مشروب، وكأنه ضغط وسلوك جماعي لكي يسلم المعلم بالأمر الواقع ويقبل هذا السلوك، بل يصل الأمر بالطالب أن يقدم للمعلم المشروب إذا كان يرغب في مشاركتهم السلوك الذي يرفضه في الأصل.
ولانزعاجي من مضمون هذا الإعلان غيرت القناة، على الرغم من علمي أنه سيلاحقني في كل القنوات، فضلا عن تكراره قبل البرنامج وأثناءه وبعده، بل قد يكرر مرتين متتاليتين دون فاصل بينهما، وكأنه يريد أن يثبت المعلومة المقدمة! ولما غيرت القناة إذا بي أجد إعلانا آخر مقدما للأطفال عن بعض المقرمشات، تدور أحداثه في مكتبه مدرسية لا تلبث أن تتحول إلى فوضى أثناء تناول المقرمشات الحارة، ولا يلبث مسؤول المكتبة أن يتناول مع الأطفال ما يتناولونه. وهنا أطرح سؤالا أود أن أجد إجابة عليه، وهو: لماذا المعلم؟
إن لكل سلعة الحق في أن تبتكر الفكرة الإعلانية التي تروج لها وتساعد في زيادة مبيعاتها، ولكن هذا الأمر لا بد أن يتم عبر ضوابط أخلاقية ومهنية، تضع في اعتبارها قيم المجتمع ومصلحته ومستقبل أبنائه. فلا ينبغي تحت ضغط السوق، أن نفرط في قيم تكاد تهوي بأهم ما لدينا وهم أبناؤنا. لذا ينبغي الحث على الالتزام بأخلاقيات الإعلان، حتى لا يكون الإعلان وبالا يحمل جوانب تسيء إلى المجتمع وتهدد مستقبل أبنائه، خاصة وأننا ما زلنا نعيش تبعات زلزال أعمال درامية ومسرحية كوميدية، كان المعلم مادتها الرئيسية.
إننا نشكو كثيرا من أن هيبة المعلم قد تقلصت في المدارس، تحت وطأة أن الطالب هو سيد الموقف لأنه الذي يدفع! فهل نحتاج إلى توثيق ذلك عبر الإعلانات التي نقدمها، بدلا من أن نعيد الهيبة له ونصلح ما فسد وكأننا استسلمنا لهذه الحقيقة المرة؟
لقد عشنا زمانا كانت ابتسامة المعلم في وجه أحدنا تسعدنا يوما بطوله، وثناؤه علينا ولو بكلمة تكون مثار حديثنا في بيوتنا وبين أبناء ديرتنا لأيام، والعلامات التي حصلنا عليها في الواجبات، وخاصة في مراحل التعليم الأولى، بقينا محتفظين بها حتى بعد أن حصلنا على الدكتوراه، وكأنها كنز مخبوء نخرجه بين الفينة والأخرى، ننظر إليه، ونشم رائحته ونطلع عليه أولادنا؛ عساهم أن يكونوا أحسن حالا منا، أو مثل أجيالنا في تعاملهم مع معلميهم الذين يمثلون قطب الرحى في العملية التعليمية، والذي لا تغني عنه حداثة المناهج أو تقدم التكنولوجيا من معامل ومختبرات أو ملاعب وحمامات سباحة... فكل هذا يقع تحت ما يسمى المعينات أو الوسائط التعليمية التي تمر عبر المعلم، الذي إذا هان على طلابه بات ما يقوله كمن يحرث في الماء.
ثم كيف نطالب أبناء الوطن بأن يلتحقوا بمجال التدريس، سواء الجامعي أو ما قبله، بدلا من أن نترك أبناءنا في مهب الريح، ونحن نقول لهم عبر شاشتنا أن هذا هو مصيركم أو هكذا سيتعامل معكم طلابكم؟ وآية ذلك أنك لو سألت مجموعة من الأطفال ما هي المهنة التي تتمنى أن تعمل بها مستقبلا؟ باليقين لن تجد من بين تطلعاتهم مهنة التعليم، لتتأكد أن هذا هو حصاد الصورة التي ترسخت لديهم عن هذه المهنة والعاملين فيها، فمن يزرع الشوك بدل الورود!
ولا يحسب أحد أنني أضخم من الموضوع كونه مجرد إعلان ويمر، والحقيقة أن الموضوع أكبر من أن يتناوله مقال أو عدة مقالات، لأنه مرتبط بتكوين أدمغة أولادنا والصور النمطية التي نكونها لديهم عبر ما نقدمه، وخاصة أن الإعلان قد يفوق في تأثيره أشكالا فنية كثيرة، لقصر مدته وتركيز مضمونه وطبيعته الإيحائية وجاذبيته، مما يسهل إدراكه خاصة لدى صغار السن، كما أن الإعلان مادة تتم مشاهدتها بكثافة لدى جميع الأسرة.
الحق أن ذلك يأتي في السياق العام وحالة الوهن التي يعاني منها إعلامنا العربي، فهذا الإعلان في الأصل إنتاج غربي شكلا ومضمونا، تم تركيب الصوت باللغة العربية عليه دون تمحيص أو تدقيق، وهذا نفس الخطأ الذي نقع فيه عند عرض الدراما الغربية بكافة أنواعها، ويتم تركيب الصوت باللهجة العربية دون مراعاة القيم والمضمون، وهو نفس الذي يحدث في البرامج التي يتم استنساخها، حتى المصطلحات المستخدمة في الأخبار التي نرددها كما هي من الوكالات الأجنبية.. إنه طريق من التقليد والتبعية الفنية والإعلامية، يبتعد عن ابتكار أفكار تناسب أبناءنا وتناسب مجتمعاتنا، وتلجأ إلى الاستسهال والنقل.
ثم إن القيم التي تصلح لمجتمع ما قد لا تصلح لمجتمع آخر، فلكل منا خصوصيته، ونحن نؤمن أن الطريق إلى تقدم الأمم ونهضتها له باب واحد هو التعليم، فكيف نقوم بهدم أهم أركانه وهو المعلم، الذي يقدم بهذه الصورة النمطية؟
القضية أننا كمؤسسات وأسر، قد ننتبه رقابيا إلى الأعمال الدرامية، في حين أن المادة الإعلانية تحتاج إلى انتباه أكثر. وهذه ليست دعوة لتقييد الإبداع، لأن الإبداع التزام، كما أن النظر بعين الحرص والتدقيق في ما يقدم عبر الإعلان، هي حالة عالمية تحدث غربا وشرقا. والشاهد أن ماليزيا بتجربتها التنموية المتميزة، تشترط إنتاج جميع الإعلانات داخل أراضيها، حتى تضمن توافق الإعلان مع القيم والمعايير السائدة في المجتمع الماليزي، بعيدا عن الإعلانات الوافدة، وفي وكالات الإعلان السويدية، من مهام رئيس التحرير مراجعة كافة الإعلانات، للتأكد من أنها تتفق وقانون التسويق السويدي. والأكثر من ذلك ما يحدث في البرازيل، التي تفرض غرامة تصل إلى نصف مليون دولار والسجن، لمن يتجاوز في المادة الإعلانية المقدمة.
إن أهمية الإعلان مقدرة وذات ضرورة كبيرة، لكن مصلحة المجتمع وناموسه أكثر أهمية وأعظم تقديرا.