بعد طول ترقب وانتظار، أطلق قطاع شؤون التطوير الحكومي التابع لرئاسة مجلس الوزراء، دليلاً توجيهياً لتطوير الخدمات الحكومية.
وبالطبع لم يكن ذلك أمراً يسيراً وممكناً إلا بعد اكتمال إجراءات تدريب أعداد كبيرة من الكوادر المواطنة، التي تعمل في إدارات وأقسام مسؤولة عن العمل المباشر مع آلاف العملاء الذين يترددون يومياً على الوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية، سعياً لإنجاز معاملاتهم.
وقد تعددت الشكاوى من بطء وطول، بل وتعقد الإجراءات في العديد من المؤسسات الحكومية، وخصوصاً في الجهات ذات العلاقة المباشرة مع الجمهور، حيث رأينا بأعيننا كيف يتدافع الناس وهم يقفون في صفوف طويلة في أيام الصيف اللاهب، في انتظار اكتمال إجراءات معاملاتهم، وقد يضطرون في كثير من الأحيان للانتقال من شباك إلى آخر، وهكذا يهدر الوقت والجهد في انتظار معاملة قد تنجز، أو يطلب من صاحبها إكمال نواقص لا علم له بها مسبقاً، فيعود ليبدأ ذات المشوار من جديد.
لعله من المسلم به أن الروتين الذي ورثته دواوين الحكومة من أنظمة حكم عفا عليها الدهر، كان خيارنا الوحيد الاعتماد عليها في السنوات الأولى من بداية التجربة الاتحادية، ولكن بعد أربعة عقود من الزمن، لم يعد بالإمكان الاعتماد على نظم إدارية تجاوزها الزمن، وفي وقت شرعت فيه الدولة في إجراءات تطبيق نظم الحكومة الإلكترونية، لأنه منطقياً، كيف تتواكب نظم عتيقة مع برامج حديثة ومتطورة؟
لعل البحث عن إجابة لهذا السؤال، وأسباب أخرى، هي التي حتمت على المسؤولين في قطاع شؤون التطوير الحكومي التابع لمجلس الوزراء، البحث عن حلول ناجعة للقضاء على روتين المعاملات الحكومية، وكان أن تم وضع خطة متكاملة، اشتملت على عدد من البرامج التدريبية الحديثة والمتقدمة، لرفع كفاءة وبناء قدرات الكوادر المواطنة المسؤولة عن الإدارات والأقسام والوحدات المعنية بالخدمات الحكومية.
وفي ظني أنها تمثل أكثر من 75% من أعمال ومهام الحكومة الاتحادية، لأن الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات الخدمية، كما يعرفها خبراء الإدارة، والناس كل الناس لا يترددون على دواوين الدولة إلا لقضاء حوائجهم الضرورية، وفي سبيل ذلك تطالبهم كل الوزارات والدوائر بدفع رسوم للحصول على تلك الخدمات، ومع ذلك فإن المحظوظ من يعود فرحاً بعد إنجاز معاملته. لقد جاء إصدار الدليل مع مطلع العام الجديد، متزامناً مع إشراقات اليوم الأربعيني، بهدف تعزيز قدرات ومهارات المسؤولين عن خدمة العملاء في مؤسسات الدولة الاتحادية، من أجل التعرف على احتياجاتهم بعد تصنيفهم وتحديد فئاتهم، حتى يمكن مساعدتهم وتوفير الخدمة المطلوبة بالسرعة الممكنة.
ويطمح مكتب قطاع التطوير الحكومي، إلى أن تزيد الدورات التدريبية وتساعد على تقديم خدمة حكومية متميزة، ترقى إلى مستوى "سبع نجوم"، وعلى نحو يماثل خدمات الفنادق الكبرى وشركات الطيران والمصارف، سواء كانت خدمات على المستوى الشخصي المباشر أو عبر الهاتف أو الإنترنت، وقد أوكلت مهمة تدريب الكوادر إلى برنامج الإمارات للخدمة المتميزة، ليتم تطبيق النموذج على كافة إمارات الدولة، حرصاً على رضى كل من يطلب أياً من الخدمات الحكومية.
لضمان نجاح ترسيخ ثقافة الخدمة الحكومية المتميزة، ومن أجل ذلك تم تدريب 615 موظفاً مواطناً من العاملين في الحكومة الاتحادية، منهم 440 من إمارة أبوظبي و125 موظفاً من مدينة العين و50 من المنطقة الغربية، كما شمل التدريب، حسب معلوماتنا، عدداً من موظفي أم القيوين ضمن المرحلة الأولى، والبقية تأتي.
والمعلوم أن الخطة تستهدف 5000 موظف، سيتم تدريبهم على مرحلتين، علماً بأن هنالك وزارات ودوائر اتحادية أدركت جوانب القصور في خدمة العملاء، فبادرت بتدريب موظفي خدمة العملاء لديها على نفس الأسس والمعايير التي تم اعتمادها سلفاً، وكان الأوفق أن تعقد دورات مماثلة لصناع القرار، على المستوى الوزاري والوكلاء والأمناء العامين، لا أن يقتصر التدريب على موظفي خدمات العملاء.
وتفيد معلوماتنا بأن برنامج التدريب ركز على أهمية سرعة الاستجابة لأي طلب في مدة قياسية، كأن تتم الاستجابة والرد على الاستفسارات الهاتفية بعد 3 رنات، على ألا تستغرق المحادثة أكثر من 10 دقائق، وبالنسبة إلى مراجعة طلبات تم تقديمها سلفاً للمتدربين، لا ينبغي أن تتم المراجعة أكثر من مرتين، يتم في أثنائها إفادة المراجع بما تم، وألا ينتظر مقدم الطلب أكثر من 48 ساعة للحصول على الرد.
ونحن إذ نشيد بهذه المبادرة التي طال انتظارها، نرى أن التجربة برمتها تبقى رهينة بمدى نجاحها على أرض الواقع العملي، حتى لا تبقى مجرد دروس نظرية معلقة في الهواء. وحسب علمي أن سلطنة عُمان طبقت تجربة مماثلة منذ سنوات، تم إنزالها بالفعل على الواقع، بدءاً من الوزراء والوكلاء المطالبين بالرد كتابة على رسالة يتلقونها من أي فرد أو جهة، مع ضرورة فتح مكاتبهم وإتاحة الفرصة لمن يريد مقابلتهم، لأن أغلبية هؤلاء يجلسون في أبراج عاجية، ناسين أن دوام الحال من المحال، وأن المنصب تكليف وليس تشريفاً، وأنه لو دام لغيرك لما جلست أنت عليه.. ولنا عودة.