في طقس شديد البرودة، تجاوزت درجة الحرارة فيه حاجز الصفر هبوطا، وفي مدينة مثل مدينة "نيويورك" التي تعج بملايين البشر، وبعد جولة صباحية استغرقت أكثر من ساعتين، قطعت خلالها ما يقارب عشرة كيلومترات من شارع "برودواي" المعروف في جزيرة "مانهاتن" الشهيرة، سيرا على الأقدام، تصبح الحاجة إلى فنجان من القهوة ملحة، فربما منحك هذا الفنجان قليلا من الشعور بالدفء، في الأيام الأولى من وصولك إلى المدينة، التي غير حادث مهاجمة وإسقاط برجيها الشهيرين وجهها ووجه العالم، فلم تعد هي ولا العالم بعد الحادي عشر من سبتمبر كما كانا قبله.

لا تجد كثير مشقة في العثور على مكان ترتشف فيه هذا الفنجان، لتهرب قليلا من هبوب الريح التي تلفح وجهك وتجمد أصابعك التي خبأتها في قفاز من الجلد، وتفشل معها كل الجهود التي بذلتها لمنع تسللها إلى جسمك الذي حصنته بكل أنواع الملابس التي تخطر على البال دون جدوى، فما أن تتخذ قرار الهرب من صقيع الشارع حتى تجد أمامك عشرات "الكافيهات" التي غدت ظاهرة، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في جميع أقطار العالم التي غزتها بأسمائها الأميركية الشهيرة، التي أصبحت تصافح عينيك أينما حللت أو ارتحلت.

 تدلف إلى أول "كافيه" يقابلك، متخذا طريقك إلى الصندوق حيث تقف منتظرا دورك في طابور الواقفين قبلك، تنتهز لحظة الانتظار هذه كي تتأمل الوجوه متعددة الأشكال مختلفة الألوان متفاوتة الأعمار، تحاول قراءة ملامحها والتغلغل إلى أعماقها، يقطع عليك لحظة التأمل هذه خاطر يقول لك إن ما تقوم به فضول واعتداء على خصوصيات أناس لا تعرفهم، ولا يربطك بهم سوى طابور انتظار سوف تغادره بعد قليل حاملا قهوتك.

ينجح الخاطر في إبعادك عن هذه الحركة الفضولية، التي ربما تسبب لك حرجا في بلد لم يهتم فيه أحد بتأمل وجهك منذ وصولك إليه، باستثناء موظف الهجرة الذي رفع رأسه قبل أن يختم جواز سفرك في مطار "جون إف.

كينيدي" المكتظ بالبشر القادمين من شتى أنحاء العالم مثلك. لكن سؤالا عن عدد الذين مروا بهذا المكان، يبدو لك غير فضولي ولا محرج البتة، فلا تتردد في طرحه على نفسك قبل أن تستفيق على صوت موظفة "الكاشير" وهي تسألك عن أي نوع من القهوة تريد، وعن حجم الفنجان الذي تختار.

تستلم فنجان قهوتك، فتتلفت حولك باحثا عن مكان تستمتع فيه بالمشروب الساخن الذي ظفرت به أخيرا، فتختار ركنا قصيا من "الكافيه" الذي بدا مزدحما في هذا الوقت من النهار، تتفحص المكان فتجده بسيطا جدا، تتوزع فيه الطاولات الصغيرة بشكل متوازٍ على غرار شوارع نيويورك التي يسهل حفظها، شكل الطاولات وحجمها متشابه، مثلما هي أشكال الفناجين متشابهة أيضا، وحدها أنواع القهوة التي بداخلها هي المختلفة، مثلما هي وجوه البشر الذين يجلسون حول تلك الطاولات.

تعود إلى لحظة التأمل التي انتابتك منذ أن قادتك قدماك إلى هذا المكان، ويفشل هذه المرة الخاطر الذي قطع عليك لحظة التأمل الأولى في إبعاد الفكرة عن رأسك، فتنغمس في المشهد الذي بدا لك مغريا بالتأمل إلى أبعد الحدود.

من بين كل الحوارات التي تدور بمختلف اللغات في تلك القاعة الدافئة، يجذبك الحوار الذي يدور على الطاولة التي أمامك، سيدة غزا الشيب نصف شعر رأسها وترك نصفه الآخر على قائمة الانتظار، لم تنتبه إلا بعد فترة إلى أنها تجلس على كرسي متحرك، بينما يجلس على الكرسي المقابل لها رجل يقاربها في السن أو يكبرها بسنوات قليلة. كانا يتجاذبان الحديث بلهجة عربية مألوفة، كانت تشكو إليه آلام المرض الذي أقعدها وجعلها ضيفة دائمة على المستشفيات، لكنّ ما هو أصعب من ألم المرض الذي تشكو منه، كان غدر الزمان وجفوة الأهل وتنكر الخلان.

تفاصيل أردت أن تنأى بنفسك عنها، لكنها فرضت نفسها عليك لقرب طاولتك من طاولتهما، حاولت أن تتشاغل عنهما بالعبث بجهازك المحمول، لكنك سرعان ما وجدت نفسك عائدا إليهما مشحونا بكل الشجن الذي يحمله الحوار.

كلمات مواساة رقيقة نطقها الرجل، فانهمرت دموع المرأة في صمت أضفى على المشهد طابعا لا يتناسب مع حركة الداخلين والخارجين التي لا تهدأ، عندها فقط أدركت أنهما قد انفصلا عما حولهما، وانطلقا إلى عالم لا يشاركهما فيه أحد، خاصة عندما قام الرجل من مكانه ودار حول الطاولة ليطبع قبلة على رأس المرأة التي كانت تجفف دموعها وهي تنتحب في صمت، وبينما كان الرجل يستدير عائدا إلى مكانه، كانت هي تعدل من وضع الكرسي المتحرك الذي تجلس عليه، وتغطي ما ظهر من شعرها، قبل أن تنخرط في صلاة عميقة، وآثار الدموع على وجهها الذي ينبئ عن جمال غارب يبدو أن المرض قد أخذ منه جانبا، بينما أخذت الغربة وسراديب الحياة المعتمة الجانب الأكبر.

كانت الساعة قد جاوزت الثانية عشرة ظهرا بقليل، عندما تنبهت إلى أنه قد مضى على مكوثك في المكان أكثر من ساعة، نظرت حولك فإذا أغلب الوجوه التي رأيتها عندما دخلت قد تبدلت، غادرت وجوه وأتت وجوه، وجهان فقط يبدو أنهما لم يشعرا بمرور الوقت ولم يهتما بمروره، تركتهما يكملان صورة المشهد الذي اقتحمته دون قصد، وخرجت مشحونا بكم من الشجن، مفضلا صقيع شارع "برودواي" على صقيع الغربة وسراديب الحياة المعتمة، اللذين لا طاقة لك على متابعة المزيد من حكاياتهما المؤلمة.