أعتقد أن الخطوات الأولى لتدويل الأزمة السورية قد بدأت قبل أكثر من أسبوع، وتدعوني لهذا الاستنتاج عدة تصريحات وإجراءات ومطالبات إقليمية ودولية. فقبل أيام صرحت وزيرة الخارجية الأميركية، بحضور رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، أن مهمة مراقبي الجامعة العربية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد.
وأوحت بأن هذه المهمة فشلت. ويشير تصريحها هذا إلى رغبتها في أن تنهي الجامعة العربية مهمة هؤلاء المراقبين، وأن تسرع في تقديم تقريرها الذي وعدت بتقديمه إلى مجلس الأمن إذا فشلت في تحقيق مبادرتها تجاه سوريا، بما يعني السير خطوة واضحة وثابتة في اتجاه التدويل.
ولمثل هذا الطلب شأن عظيم، لأنه يصدر عن منظمة إقليمية عربية، وسيكون عاملاً حاسماً في تغيير الموقف الروسي، لأنه لا يستقيم أن تزعم روسيا أنها تهتم بمصالح سوريا ومستقبلها وأمنها واستقرارها أكثر من اهتمام الجامعة العربية، وبالتالي يصبح من الصعب على روسيا وعلى الصين أيضاً أن تكونا ملكيتين أكثر من الملك، وعربيتين أكثر من جامعة الدول العربية.
وإذا اجتمع هذا الشرط مع إمكانيات عقد اتفاق "تحت الطاولة"، أي "صفقة" بين الولايات المتحدة وروسيا، تقدم الأولى من خلاله للثانية ثمناً لتغيير موقفها، قد يكون تعديل سياسة نصب صواريخها في أوروبا أو في تركيا، أو يكون وعداً بوضع شروط صعبة أمام أوكرانيا مستقبلاً إذا رغبت الدخول في حلف شمال الأطلسي.
أو تقديم وعد بالسكوت على قيام روسيا بتغيير السلطة السياسية في جورجيا، أو ما يشبه ذلك. فإذا اجتمع الشرطان: طلب جامعة الدول العربية، مع التعويض على روسيا، فلا شك أن الروس سيتراجعون عن موقفهم، وسيسكتون عن أي قرارات يرغب مجلس الأمن في اتخاذها دون استخدام "الفيتو" ضدها. والأمر نفسه بالنسبة للصين، وما أكثر الإمكانيات المتوفرة لدى الولايات المتحدة وأوروبا لإرضاء الصين.
ويشير إلى إمكانية التدويل أيضاً، الاتصال الهاتفي قبل أسبوع بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، والذي تناول فيه الطرفان الأزمة السورية، وتصريح الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر بضرورة تدخل عسكري عربي.
ومن اللافت للانتباه كذلك، الاجتماع الذي عقد بين وفد من المجلس الوطني السوري (معارضة الخارج)، وبين ما يسمى بالجيش السوري الحر، بهدف تنسيق المواقف، وكذلك تشكيل مجلس قيادة عسكرية شورية عليا منشقة.
ويبدو جلياً أن هذا الحراك العربي والدولي، وتلك التصريحات والاتصالات، إنما تشير إلى موقف دولي جديد بعد فترة صمت طويلة، اقتصرت على التصريحات والاستعراضات، دون إجراءات جدية وحاسمة ضد السلطة السورية. ويقول بعض المراقبين والمحللين السياسيين السوريين، إن موقف الولايات المتحدة لم يكن حاسماً في الماضي، وان قرار الإدارة الأميركية وحتى قرار الدول الأوروبية لم يكن متخذاً بإسقاط النظام السوري، بل كان موارباً دائماً، أما الآن فيبدو أنها اتخذت قرارها، ولذلك يمكن القول إن خطوات التدويل قد بدأت فعلاً.
يتساءل المراقب؛ ما إجراءات التدويل المحتملة؟ هل هي عقوبات قاسية ضد النظام السوري؟ أم مناطق عازلة؟ أم حظر الطيران المدني والعسكري؟ أم قصف قواعد الصواريخ السورية وقواعد الطيران والاتصالات وبعض المنشآت كما كان عليه الحال في ليبيا؟
أم خطوات ستنتهي بغزو عسكري بري كما كان الحال في العراق؟ وربما يجمع المراقبون على أن مجلس الأمن سيقرر خطوات تدويل متدرجة، قد تبدأ بالإجراءات غير العسكرية، صعوداً إلى العمليات العسكرية، وذلك مراعاة للموقف الروسي من جهة، ولعدم إثارة العرب المعارضين لهذا التدويل من جهة أخرى.
ويعتقد محللون سياسيون سوريون، أنه كان بالإمكان تفادي التدويل إذا تم تنفيذ مبادرة جامعة الدول العربية، التي تنص على أربع نقاط هي: وقف العنف وسحب الجيش من القرى والمدن، وإطلاق سراح المعتقلين، والسماح للصحافة الأجنبية والعربية بدخول سوريا، ثم بدء حوار جدي مع المعارضة بإشراف الجامعة العربية.
لأن تنفيذ هذه المبادرة سيقطع الطريق على التدويل، إلا أن إصرار السلطة السورية على الحل الأمني للأزمة هو الذي أفقدها الرؤية، ووضعها هي وأساليبها على طريق اللاعودة، وفي نفق لا نهاية له، انطلاقاً من قناعة مفادها أن العنف كفيل بإعادة الأمور كما ترغب السلطة، مما حدا بها لرفض عقد أي مؤتمر جدي يضم كافة شرائح المجتمع السوري.
على مختلف آرائها السياسية، وطبقاتها الاجتماعية والثقافية، وإتاحة الفرصة لمثل هذا المؤتمر أن يدرس واقع الأزمة السورية، وواقع المجتمع والسلطة، والصعوبات والعقبات التي تقف بوجه الإصلاح، وتصر على أن يبقى كل شيء كما هو، وأن تقبل المعارضة بإجراء الحوار في ضوء ذلك.
يبدو أن السلطة السياسية السورية لم تصدق بعد أن خطوات التدويل الأولى قد بدأت، وأن عليها سد الذرائع على الأقل، والبدء بإصلاحات جدية كي تتفادى تدويل الأزمة وخروجها من اليد المحلية واليد العربية، ووضعها بين الأيادي الأجنبية، التي ستدخل مصالحها كجزء أساسي من إجراءات التدويل،.
وهي بالتأكيد، عند ذلك، لن تسقط السلطة السياسية السورية فقط، بل ستدمر الدولة السورية، وخاصة وسائل دفاعها (قواعد الصواريخ، قواعد الطيران، الاتصالات)، ومنشآت القطاع العام الأخرى (الكهرباء، المنشآت النفطية، وغيرها)، فضلاً عن تدمير الإدارة وإعادة سوريا إلى العصور الوسطى، وهذا ما شاهدناه في العراق وليبيا.
وفي كل الحالات، إذا كان التدويل على الأبــواب، فإن لسان الشعب السوري يقول "اللهم لا نسألك رد القضاء وإنما اللطف فيه".