في شهر واحد هو شهر يناير، حقق الشعب المصري بمشاركة الجيش المصري، ثورتين شعبيتين تاريخيتين بكل المقاييس، الأولى في يناير عام 2011 بالثورة الشعبية الرائعة للتغيير السياسي في الميدان، والثانية في يناير 2012 بالمشاركة الشعبية الواسعة للتحول الديمقراطي في الطريق إلى البرلمان. فقبل أيام، تم بنجاح غير مسبوق إعلان نتائج أول انتخابات برلمانية مصرية بعد ثورة يناير الشعبية، عبر فيها الشعب العربي في مصر عن إرادته الحرة، بشهادة مصرية وعربية ودولية..
وبعد يومين اثنين سيفتتح المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، برلمان مصر ما بعد الثورة الذي يعكس ملامح سياسية جديدة لوجه مصر الجديدة، فالقوى التى كانت هي السائدة بالتزوير غابت، بعد أن أسقطها الشعب بإرادته الحرة، مع غياب السلطة الساقطة بثورته الحرة في ميادين التحرير.
والقوى السياسية الإسلامية التي كانت "محظورة" في عهد النظام السابق، أصبحت بفضل الانتخابات الحرة قوى سياسية "محظوظة"، بعد أن حظيت بثقة الشعب المصري الذي استعاد ذاته واستخلص إرادته بالثورة، ليعيد صنع الحياة على أرضه وفق أمانيه.
تلك الثورة التي تطل على مصر ذكراها الأولى، بعد أن وصلت مسيرتها إلى منتصف الطريق بين واقع ثارت عليه وبين واقع جديد تتطلع إليه، بعد افتتاح البرلمان إيذانا بانتقال السلطة التشريعية إلى نواب الشعب، في الطريق إلى الانتخابات الرئاسية الحرة إيذانا بانتقال شرعي للسلطة التنفيذية، بعد صياغة الدستور الجديد الذي سيعكس بدوره حجم التغيير الذي سعت إليه جماهير الثورة، هي تأكيد للهوية المصرية العربية الإسلامية الإفريقية، وتأكيد لسلطة الشعب وسيادته، وصولا إلى تحقيق أهداف الثورة المصرية.
وقد بدا الفارق واضحا بين الفرحة الحقيقية الشعبية للجماهير الحقيقية، التي نزلت كالطوفان إلى ميادين التحرير في المدن المصرية في 25 يناير من العام الماضي تحتضن شبابها وتحميه وهو الذي قام بدور الطليعة الثورية، وبين دعوات المزايدة السياسية والمراهقة الثورية التي لا ترى في المناسبة لا عرسا ثوريا ولا ديمقراطيا، بل ترى فيها مأتما للثورة ومناحة على الديمقراطية!..
وقد حرضت أبواق الكتيبة الإعلامية تحت علم "الموجة الثالثة للثورة"، على إثارة الشعب ضد الجيش، وممارسة ما يسمى بالعنف الثوري ضد الدولة، وترويع الشعب بهدم سرادق الفرح الشعبي وإقامة سرادق للعزاء الثوري، وصناعة لأزمة جديدة بين الشرعية الثورية وبين الشرعية الدستورية، بما يهدد الوطن والدولة، وهو ما لن يسمح به الشعب.
ذلك، أنها لا تريد أن ترى حجم ما تحقق حتى منتصف الطريق من تغيير وهو كثير، في الطريق لاستكمال كل أهداف الشعب وهي الأكثر، بعد تمام انتقال السلطة إلى الإدارة والمؤسسات المنتخبة، وبداية مرحلة البناء الجديد بتشريعات البرلمان استجابة لنداءات الشعب في كل ميدان، بل تدعي أن النظام السابق ما زال يحكم، بينما كل رموز هذا النظام الساقط في المحكمة يحاكَم ولا يحكم، على مشهد من العالم كله، ومن جماهير الشعب المصري صانع الثورة وصاحب السلطة ومصدر الشرعية..
وهنا لا بد من القول بكل صراحة، إن الثورة لم تنجح إلا بشعبيتها وإلا بسلميتها وإلا بسلوكها الحضاري وإلا بشراكة الشعب والجيش معا، وحين تخلى "الثوار الجدد" في ما سمي بالموجة الثانية للثورة عن سلميتها، ولجأوا إلى العنف ضد الجيش الذي حمى الثورة، وعطلوا مصالح السشعب، فقدت الكثير من شعبيتها وافتقدت سلوكها الحضاري.
وأخشى ما أخشاه أن يجهض شهود الزور على الثورة من "الثوار الجدد"، تلك الثورة بسوء التقدير وبسوء الحساب وهو يظن أنه ينقذها، حين يخسر أولئك "الثوار" تأييد الشعب والجيش معا، بينما المأمول أن تتغلب الوطنية على الحزبية، والأخلاقية على الأيديولوجية، والثورية الحقيقية على الثورية الزائفة، حتى نستعيد روح الثورة العظيمة الأولي، بوحدة كل الأجيال والطوائف والتيارات، في صف واحد وبهدف واحد هو بناء مصر الجديدة وفق إرادة شعبها.
وليس وفق ما يخطط لها أعداؤها، حتى نحفظ لمصر مكانتها بين الأمم وهي التي علمت الدنيا الحضارة، ونحفظ للثورة قيمتها وصورتها الزاهية، فهي بثورة يوليو المصرية المجيدة كانت نموذجا رائدا لكل الثورات التحررية في الوطن العربي والعالم الثالث، خصوصا في هذا الشهر الذي يبدو زاخرا بالأحداث الثورية المثيرة والجديرة بالتوقف أمامها، فأوله ثورة في فلسطين للتحرير، وآوسطه ثورة في تونس للتغيير، وآخره ثورة في مصر للتغيير انطلاقا من ميدان التحرير.. ولا تزال حركتها مستمرة.
كما يبدو حافلا بالذكريات الوطنية المنيرة، والدافعة للالتفات إليها واستلهام معانيها وإضاءاتها، وسط الظروف والتحديات الصعبة التي نواجهها، والتحولات التاريخية التي نعايشها في الوطن العربي، سعيا للوصول إلى تحقيق آمالنا الكبري في تحقيق حرية وكرامة الوطن والمواطن، بالاستقلال الوطني وبالوحدة العربية، وبالحرية السياسية والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية..
ففى الأول منه ذكرى استقلال السودان وله قصة تروى وتداعيات تجري، وفي التاسع منه ذكرى بداية إنشاء السد العالي في مصر، وهي ملحمة في حد ذاتها لتحدي الإرادة الشعبية وانتصار الإدارة الوطنية ضد أعتي الإمبراطوريات.
وفي منتصفه تماما ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، الذي شاءت له الأقدار أن يجسد آمال الشعب العربي في مصر، حينما فجر ثورة 23 يوليو عام 52 في وجه الاحتلال والاستغلال والفساد والاستعباد، وللقضاء على الاستعمار، وعلى الإقطاع، وعلى سيطرة رأس المال على الحكم، والعمل على بناء مجتمع العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مثلما شاءت له الأقدار ودفعته إرادة شعبه أن يواصل ثورته الوطنية المصرية، ذات الهوية العربية الإفريقية الإسلامية.
لأن يطارد الاستعمار الإنجليزي والفرنسي في كل وطن عربي محتل، بعد أن فرغ من طردهما من مصر، بل وراح يساند ثورات الشعوب الوطنية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية للتحرر من الاستعمار، إيمانا بأن الحرية لا تتجزأ، حتى صار رمزا وطنيا مصريا وقوميا عربيا ومناضلا عالميا وإنسانيا، تستلهمه الأجيال في كفاحها الوطني وانتفاضاتها الشعبية، تردد أهدافه وترفع صوره في الشوارع والميادين، طلبا للحق والعدل والحرية.