من المبكر أن يحكم المرء على نتائج الثورات العربية التي بالكاد أكملت حولاً واحداً، وهي فترة قصيرة من عمر التاريخ والشعوب والدول لكي يتمكن المراقب الموضوعي من إصدار حكم راجح عليها. والثورات ربما تكون بين مد وجزر لفترات طويلة أيضاً، كما حدث في الثورة الفرنسية، التي لم يستقر فيها النظام الجمهوري والعلماني إلا بعد قرن من نشوبها، في ما سمي بالجمهورية الثالثة في العام 1871!
بالطبع، لا نود الانتظار لهذه الفترة الطويلة لنحكم على ثوراتنا، وما إذا كان لها تأثير في البلدان التي انطلقت منها أو في محيطها الخارجي، ولكن ما نود قوله إن تلك الثورات بحاجة إلى وقت لكي تبين للعيان تأثيراتها: إما إيجاباً فتكون نبراساً للمتطلعين للعدل والمساواة وحكم القانون، أو سلباً فتكون مادة للشامتين والمدافعين عن الأنظمة البائدة بما فيها من فساد وظلم، بدعوى المحافظة على الأمن والاستقرار.
إن أول هذه التأثيرات، أن هذه الثورات قد أعادت إلى الإنسان العربي كرامته المسلوبة، وبينت كيف أن الحرية والكرامة صنوان، وأن تينك القيمتين لا يمكن أن يشعر بهما الإنسان إذا كان يعيش في نظام استبدادي وفي حالة العوز والفقر والبطالة.
إن العالم لم يكن يعطي "الشعوب العربية" أي وزن قبل اندلاع تلك الثورات، لكنه غير وجهة نظره كلية بعد أن هب الشارع العربي ليدافع عن كرامته وحريته، إلى الدرجة التي غدت ثوراته هادياً ومرشداً لثورات "عصر المعلوماتية" ـ إن جاز التعبير - بل وأصبح بعض ألفاظه ومصطلحاته تلهجها الجموع في كل مكان، من قبيل "سلمية" وغيرها.
ثم إن هذه الثورات قد كسرت الجمود الذي كان يعيشه المجتمع العربي من محيطه إلى خليجه، وحجمت دور الأنظمة التي كانت قد "تفرعنت" على شعوبها وسامتها سوء العذاب. فالكل يعلم مقدار التغير السياسي الذي شهدته أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن في أصقاع عديدة من هذا العالم، بدءاً بأميركا اللاتينية إلى شرق أوروبا، مروراً بالاتحاد السوفييتي وغيرها من بلاد الله الواسعة. لكن موجة التغيير تلك، كانت تتكسر على صخرة "النظام العربي" الصلدة وعلى حدود دوله.
وهذا الجمود في الوضع السياسي استمر عقوداً طويلة، فمنذ الحراك الذي شهدته فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي اقتطفها العسكر ليحولوا ذلك الحراك الشعبي إلى أنظمة عسكرية استبدادية، فشلت في تحقيق كل شعاراتها ومنها الوحدة وتحرير فلسطين والعدالة الاجتماعية، وبالتالي فقدت تلك الأنظمة شرعيتها، فإننا لم نشهد حراكاً شعبياً في فترة نصف قرن إلا ما ندر، وعلى شكل "هبّات شعبية" كانت سرعان ما تقمع قمعاً شديداً، وربما المثال على ذلك ما حصل في 17 و18 يناير من العام 1977 في مصر أيام السادات.
ولا شك أن السياسة العالمية وتوازنات القوى أيام الحرب الباردة، كانت تساعد مثل هذا الجمود. فسياسة الاستقطاب بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، كانت تهمش قضايا المشاركة والديمقراطية في البلدان الصديقة للغرب، ناهيك عن أن الدولة السوفييتية كانت ترى الديمقراطية من منظار اجتماعي معين، وقد ثبت تاريخياً خطأ تلك الرؤية التي كان من نتائجها سقوط الاتحاد السوفييتي وتبعثر أشلائه إلى القوميات المكونة له.
ولعل انتهاء الحرب الباردة وما حواه من سياسة "غض الطرف" عن مثالب الأصدقاء من قبل الدول الكبرى وخاصة الولايات الأميركية، قد فتح الباب لـ"سياسة الانتقاد العلني للأصدقاء والحلفاء"، مما أعطى دفعة معنوية للجماهير العربية في نضالها من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحكم القانون.
ولا شك أن الانتقادات العلنية للأصدقاء من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، هي أكثر "إيلاماً" للقيادات الحاكمة من تلك الانتقادات التي كانت تمارس خلف الكواليس. وهذه هي إحدى "بركات الربيع العربي"، حيث بتنا نسمع وجهة نظر المسؤولين الأميركيين في مسائل حقوق الإنسان والديمقراطية في بلادنا. وهي أمور لم تكن تخطر على البال قبل سنوات قليلة!
ويمكن إضافة أن الاهتمام بمستوى معيشة الإنسان العربي، المعبر عنه بالعدالة الاجتماعية وبتوفير فرص العمل للشباب تحديداً، كان أيضاً من جملة ما أفرزته هذه الثورات من تأثيرات داخلية وفي محيطها العربي. فكل البلاد العربية تعاني من ظاهرة البطالة، والبلاد العربية "بلاد شابة" تحتاج إلى تنويع مصادرها ونشاطاتها الاقتصادية وتطوير نظمها التعليمية، كي تستطيع أن تخلق فرص عمل حقيقية لأبنائها. والكل يعلم أن مفجر الثورة في تونس كان في المقام الأول البطالة، وهي داء يؤدي إلى إهدار كرامة الإنسان.
ولعل إيجاد فرص حقيقية للعمل لملايين الشباب العربي، هو التحدي الأكبر لحكومات "ما بعد ثورات الربيع العربي". وهذه لن تتم إلا بالتخطيط الاقتصادي، وتطوير التعليم وربطه باحتياجات سوق العمل وبمزيد من التكامل بين الدول العربية، فضلاً عن تحسين بيئة الاستثمار، كي تصبح اقتصاداتنا العربية جاذبة للاستثمارات العربية البينية، وأيضاً لتلك القادمة من وراء الحدود.