في الذكرى العاشرة «لافتتاح» معتقل غوانتانامو، خرجت المظاهرات في شتى أنحاء العالم تندد باستمرار وجود المعتقل. أما في الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، فقد خرج المتظاهرون احتجاجاً على حنث أوباما بالوعد الذي قطعه على نفسه في الانتخابات الرئاسية، ثم القرار التنفيذي الأول الذي وقعه فور تنصيبه رئيساً وتعهد فيه بإغلاق المعتقل خلال عام. ورغم أن الرئيس الأميركي يشير بإصبع الاتهام للكونغرس متهماً إياه بعرقلة خطته لإغلاق المعتقل، إلا أن المحتجين يرفعون صحيفة اتهام تدين الكونغرس وأوباما معاً.
ورغم أن الولايات المتحدة كانت بعد الحادي عشر من سبتمبر، قد أنشأت عشرات السجون السرية حول العالم، وأرسلت المئات ممن اعتقلتهم لتعذيبهم في بلدان معروف عن نظمها السياسية أنها تنتهك حقوق الإنسان كما تتنفس، إلا أن غوانتانامو ظل هو الرمز لجرائم الحرب وانتهاك القانون الدولي، بل ولانتهاك القانون الأميركي نفسه.
وموقع المعتقل نفسه في جزيرة غوانتانامو الكوبية، يمثل في ذات الوقت رمزاً للسياسة الإمبراطورية. فاسم غوانتانامو صار مرتبطاً بمعسكرات الاعتقال الخمسة، التي شيدتها أميركا في مقر قاعدتها البحرية المقامة على الساحل الجنوبي الشرقي من خليج غوانتانامو. فالولايات المتحدة كانت قد احتلت كوبا في 1898 أثناء الحرب الأميركية الإسبانية، ثم وافقت لاحقاً على إنهاء احتلالها، بشرط أن ينص دستور كوبا بعد الاستقلال على حق الولايات المتحدة في أن تستأجر إلى أجل غير مسمى ذلك الشريط الساحلي المعروف الآن بقاعدة غوانتانامو البحرية الأميركية، وعلى ألا ينتهي ذلك الإيجار إلا بموافقة أميركية.
وحين وصل كاسترو للحكم، فشل في سعيه لإنهاء ذلك الوضع، وظلت الحكومة الأميركية ترسل حتى الآن للحكومة الكوبية الإيجار السنوي في صورة شيك بمبلغ 4085 دولاراً، وهي الشيكات التي لم تحصلها أبداً حكومة كوبا. لكن أميركا ظلت منذ اليوم الأول لاستئجار ذلك الجزء من الأراضي الكوبية، تصر على أنها ليست مسؤولة قانوناً عما يحدث على تلك الأرض المؤجرة. ومع الوقت صار معنى ذلك أن تلك الأرض المؤجرة، مكان ممتاز لاحتجاز من لا تريد أميركا له أن يخضع لضمانات الدستور الأميركي والقانون الأميركي.
غير أن غوانتانامو يمثل ما هو أخطر من كل ما تقدم. فهو أحد تجليات ظاهرة عسكرة السياسة الأميركية، والتي استمرت بخطى واثقة في عهد أوباما. فقد صار للعسكر وللأدوات العسكرية دور بارز في العملية السياسية الأميركية في الداخل والخارج، وصار اللجوء للأدوات العسكرية هو القاعدة لا الاستثناء. وغوانتانامو، في تقديرى، نتيجة طبيعية للتطورات المذهلة التي حدثت في هذا الصدد، خصوصاً في العقود الأخيرة.
والرئيس الأميركي الأسبق أيزنهاور، رغم أنه جاء من خلفية عسكرية، إلا أنه حذر الأميركيين في خطاب الوداع من هيمنة ما أسماه «المركب العسكري الصناعي» على البلاد. وهذا المركب عبارة عن ثالوث غير مقدس، ضلعه الأول يتمثل في العسكريين، وضلعه الثاني يتمثل في لجنتي الدفاع في مجلسي النواب والشيوخ، أما الضلع الثالث فهو الصناعات العسكرية.
فعلاقة المصالح الوثيقة بين الأطراف الثلاثة، تمكنها مجتمعة من أن تمد سيطرتها لتشمل الحياة السياسية الأميركية. فأعضاء الكونغرس في لجنتي الدفاع، يأتون عادة من دوائر وولايات فيها مصانع أو قواعد عسكرية ينظر لها أولئك الأعضاء باعتبارها مصدراً لمزيد من الوظائف والانتعاش الاقتصادي، ومن ثم فمن مصلحة هؤلاء الأعضاء الإبقاء على دور العسكر والصناعات الداعمة لهم، وليس العكس.
والصناعات العسكرية بما صارت تملكه من جماعات ضغط قوية، تنفق أموالاً باهظة في تمويل مرشحي الرئاسة والكونغرس، أصبحت تفرض أولوياتها. أما العسكر فهم يلقون معاملة تفضيلية من الاثنين، فالكونغرس لا يتوانى أبداً عن الموافقة بالمطلق على أية ميزانية لوزارة الدفاع تطلبها الوزارة، لأن تلك الميزانية ستكون سبباً في انتعاش اقتصادي في دوائرهم، والصناعات العسكرية تحافظ على علاقات قوية بالبنتاغون، لأن تلك الميزانية هي التي تحصل تلك الصناعات بمقتضاها على عقود ضخمة تحقق أرباحاً خيالية.
ودور العسكر امتد في أميركا للمؤسسات المدنية، فأنت تجد برامج تعليمية يديرها البنتاغون في المدارس العامة، فبدلاً من أن يتعلم الأطفال الحقوق والحريات الدستورية، يتعلمون الانضباط والصلابة في مواجهة الأعداء.
وقد صار للعسكريين درو نافذ في الدبلوماسية الأميركية بتعيينهم في مناصب مختلفة، بل وفي الإعلام الأميركي، من خلال المعلقين من العسكريين المتقاعدين الذين صاروا يشكلون الرأي العام بشأن قضايا الأمن القومي. بل أكثر من ذلك، فقد تمت عسكرة البوليس المدني، ليس فقط عبر بيع الفائض من المعدات والأدوات «العسكرية» للشرطة، وإنما أيضاً عبر مشاركة الجيش الأميركي في حفظ الأمن، بل والقيام بمهام التفتيش والتجسس داخل الولايات المتحدة الأميركية على نطاق واسع. وعسكرة البوليس الأميركي بدت واضحة للغاية في تعامله مع احتجاجات وول ستريت، من حيث الخشونة المفرطة واستخدام أسلحة «عسكرية».
ولا يمكن فصل كل ذلك عن إنشاء غوانتانامو والإبقاء عليه، فإغلاق ذلك المعتقل الذي يديره البنتاغون لن يغير شيئاً تقريباً. فالاعتقال دون محاكمة ولأجل غير مسمى الذي هو عنوان لغوانتانامو، صار للأسف جزءاً من القانون الأميركي ذاته. ففي ديسمبر الماضي وقع أوباما على قانون وزارة الدفاع للعام المالي 2012، وهو القانون الذي تضمن بنوداً تنص على إعطاء الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، الحق في اعتقال «المشتبه فيهم» لأجل غير مسمى. وأوباما حين وقع القانون زعم، دفاعاً عن نفسه، أن إدارته «سوف تفسر ذلك البند بما يضمن أن أي اعتقال سيكون متسقاً مع الدستور وقوانين الحرب».
لكن ذلك التعهد لا ينفي أن الاعتقال بدون محاكمة لأجل غير مسمى، صار «قانونياً».
غوانتانامو، إذن، هو أحد أعراض ظاهرة عسكرة السياسة الأميركية، التي تفسر الكثير من سياسات أميركا في الداخل والخارج.