يذكرنا تجسيد ميريل ستريب المفزع لشخصية رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، في فيلم "السيدة الحديدية"، بتهكم تاتشر الأكثر شهرة، حين قالت: "لا يوجد ما يسمى بـ"المجتمع".
ولم يقم أي من أفراد حشد المرشحين الجمهوريين الآخذ في التضاؤل، بالاستشهاد بقولها هذا حتى الآن، ولكنهم قد يقومون بذلك، نظراً لانتقادهم المتواصل لكل الأشياء العامة.
ويتجسد المجتمع بصورة أكثر وضوحاً في المؤسسات العامة، بما في ذلك المدارس العامة والمكتبات العامة ووسائل النقل العام والمستشفيات العامة والحدائق العامة والمتاحف العامة ومرافق الترفيه العامة والجامعات العامة.. وهلم جرا.
غير أن العديد مما يسمى "عاماً" اليوم، هو خاص على نحو متزايد، إذ ترتفع رسوم العبور على الطرق العامة والجسور العامة، وكذلك الرسوم الدراسية في ما يسمى بالجامعات العامة، ورسوم الدخول إلى الحدائق العامة والمتاحف العامة. والكثير مما تبقى مما يعتبر "عاماً"، بات غير مطابق للمواصفات، بحيث أصبح الأشخاص القادرون على تحمل تكاليف إيجاد بدائل خاصة، يبحثون عن هذه البدائل.
ومع تدهور المدارس العامة، يعمد أفراد الطبقتين المتوسطة العليا والغنية، إلى إرسال أطفالهم إلى مدارس خاصة. ومع تهالك حمامات السباحة والملاعب العامة، يشترك الأشخاص الأفضل حالاً في نواد خاصة للتنس والسباحة. ومع تراجع المستشفيات العامة، يدفع أولئك الأشخاص أقساطاً إضافية من أجل الحصول على رعاية صحية خاصة.
وتأتي حدائق المجمعات السكنية والمكاتب المحاطة بالأسوار الآن، مع مروجها المشذبة وممراتها وحراس أمنها ونظم الطاقة الكهربائية الاحتياطية الخاصة بها.
ما السبب وراء تراجع المؤسسات العامة؟ إن الضغوط المالية التي تتعرض لها الحكومة الأميركية على جميع المستويات منذ عام 2008، لا تفسر سوى جزء من هذه الظاهرة.
لقد بدأ الانحدار بالفعل منذ أكثر من ثلاثة عقود، مع ما سمي بـ"التمردات الضريبية" من جانب طبقة متوسطة توقف دخلها عن التقدم، على الرغم من أن الاقتصاد استمر في النمو. وكان معظم العائلات لا يزال يريد التمتع بخدمات عامة جيدة، ولكن لم يعد بمقدورها تحمل الثمن.
وحين بدأت كل المكاسب المتأتية من النمو تقريباً في الارتفاع إلى القمة، شرع الأشخاص الأفضل حالًا في التحول إلى مؤسسات القطاع الخاص، وسحبوا دعمهم السياسي للمؤسسات العامة، بما في ذلك مدفوعاتهم الضريبية. وأسفر ذلك عن نشوء حلقة مفرغة من الإيرادات العامة المنخفضة والنوعية المتدهورة، مما دفع إلى المزيد من الهروب من المؤسسات العامة. وانخفضت عائدات الضرائب الآتية من الشركات كذلك، مع توجه الشركات الكبرى نحو العالمية، الأمر الذي ساعدها على حفظ أرباحها في الخارج، وإبقاء فواتيرها الضريبية عند الحد الأدنى.
ولكن هذه ليست القصة كاملة، فأميركا لم تعد تقدّر المنافع العامة حق قدرها، كما كنا نفعل منذ عقود.
بدأ التوسع الكبير في المؤسسات العامة في أميركا في السنوات الأولى من القرن العشرين، حين دافع الإصلاحيون التقدميون عن فكرة وجوب استفادة الجميع من المنافع العامة. فالمدارس والطرق والحدائق والملاعب ووسائل النقل الممتازة، كلها من شأنها أن تؤدي إلى تماسك المجتمع الصناعي الجديد، وإيجاد مواطنين أفضل، ونشر الرخاء على نطاق واسع. والتعليم، على سبيل المثال، لم يكن استثماراً شخصياً بقدر ما كان نفعاً عاماً، يساهم في تحسين المجتمع والدولة بأسرها في نهاية المطاف.
وقد تم توسيع نطاق هذا المنطق في العقود اللاحقة، خلال الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، إذ تم توحيد "الجيل الأعظم" إثر الاحتياجات المتبادلة والتهديدات المشتركة، وعمل على الاستثمار في المؤسسات العامة القوية، كحصن يتصدى للفقر الجماعي والفاشية ومن ثم الشيوعية.
غير أن فكرة السلعة العامة تلاشت في السنوات الأخيرة، وتم استبدال عبارة "كلنا معاً في هذا"، لتحل محلها عبارة "أنت بمفردك"، ومع تصدير رأس المال العالمي للوظائف الأميركية إلى الخارج، يحصل الأغنياء جداً على نسبة لم يسبق لها مثيل من إجمالي الأرباح. بل إن الديمقراطيين لم يعودوا يستخدمون عبارة "النفع العام". وأوجه النفع العام هي الآن، في أحسن الأحوال، "استثمارات عامة". وقد تحولت المؤسسات العامة إلى "شراكات بين القطاعين العام والخاص"، أو إلى مجرد "قسائم"، كما يرى الجمهوريون.
ويتحدث المرشح الجمهوري ميت رومني بسخرية، بشأن ما يسميه مجتمع "الاستحقاق" الذي ينادي به الديمقراطيون، مقابل مجتمع "الفرص" الذي ينادي هو به. وهو على الأقل لا يزال يتصور وجود مجتمع، غير أنه لم يوضح كيف سيتمكن الأميركيون العاديون من الاستفادة من الفرص الجيدة من دون مدارس عامة جيدة، وتعليم عال برسوم معقولة، وطرق جيدة، ورعاية صحية كافية.
وتعد "استحقاقاته" في مجملها مجرد سراب على أية حال، فبرنامج "ميديكير" هو الاستحقاق الوحيد الذي ينمو بوتيرة أسرع من الناتج المحلي الإجمالي، ولكن هذا يعود إلى حقيقة أن تكاليف الرعاية الصحية تنمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد. ولم يكن لبرنامج "الضمان الاجتماعي" دور في تفاقم عجز الموازنة، فهو يحقق فوائض منذ سنوات.
وشبكات الأمان الأخرى في حالة يرثى لها، حيث يصل التأمين ضد البطالة إلى 40% فقط من العاطلين عن العمل في هذه الأيام.
وخارج نطاق الدفاع، تراجع الإنفاق التقديري المحلي بصورة حادة كنسبة مئوية من الاقتصاد. ومع انخفاض إنفاق الولايات والإنفاق المحلي، انخفض إجمالي الإنفاق العام على التعليم والبنية التحتية والبحوث الأساسية، من 12% من الناتج المحلي الإجمالي في سبعينات القرن الماضي، إلى أقل من 3% بحلول عام 2011.
ولا يعد رومني محقاً إلا في مجال واحد، فقد أوجدت أميركا استحقاقاً ضخماً لأكبر بنوك وول ستريت وكبار مسؤوليها التنفيذيين، الذين، خلافاً لمعظمنا، لم يعد يسمح لهم بالفشل.
إننا نخسر أوجه النفع العامة المتاحة للجميع، بدعم من مدفوعات الضرائب المقدمة من الجميع، لا سيما من الأشخاص الأفضل حالًا. وعوضاً عنها، أصبحت لدينا أوجه النفع الخاصة المتاحة للأغنياء جداً، بدعم منا نحن.. حتى مارغريت تاتشر كانت ستصاب بالفزع من هذا الوضع.