مع بداية موسم انتخابات الرئاسة والذي بدأ في ولاية أيوا، فإن أكثر ما يلفت الانتباه هو أن الذين أدلوا بأصواتهم لاختيار المرشح الجمهوري لينافس أوباما في نوفمبر القادم، لم يكن لديهم أي حماس لأي من المرشحين. وهناك فارق كبير بين وجود ذلك الحماس وغيابه، ذلك أن الناخبين إذا لم يكن لديهم الحماس لمرشح حزبهم، فلن يخرجوا على الأرجح بأعداد كبيرة لدعمه في نوفمبر، فيؤدي ذلك لتراجع فرصه.
لذلك فلعل أهم ما أسفرت عنه انتخابات الحزب الجمهوري في ولاية أيوا، هو أنها كشفت عن الانقسام الواضح داخل الحزب. صحيح أن ميت رومني كان هو الفائز في تلك الجولة، إلا أنه فاز بفارق ثمانية أصوات فقط، كانت هي التي تفصل بينه وبين المرشح الذي تلاه في عدد الأصوات، ريك سانتورام. أكثر من ذلك، فإن رومني لم يستطع أن يقنع إلا 25% من الناخبين.
والانقسام يعكس نفسه أيضا في الاختلاف بين المرشحين الثلاثة الذين حصلوا على أعلى الأصوات، ميت رومني وريك سانتورام ورون بول، فكل واحد منهم يمثل تيارا داخل الحزب الجمهوري
. فميت رومني يمثل التيار اليميني اقتصاديا، والذي يعبر عن أصحاب المال والأعمال والشركات العملاقة، بينما يمثل ريك سانتورام تيار اليمين اجتماعيا، أي أولئك الذين تحتل القضايا الاجتماعية - مثل الإجهاض والمثليين والدين ودوره في السياسة- الأولوية لديهم
. أما رون بول فرغم أنه ينتمى للتيار التحرري، (الذي يرفض التدخل الحكومي في الاقتصاد كاليمين، ويرفض أيضا تدخل الحكومة في الأمور الاجتماعية كالتيار الليبرالي)، إلا أنه لا يلقى تأييدا بين الناخبين الجمهوريين الذين يميلون أيضا للعزلة في السياسة الخارجية.
وهذا الانقسام هو جوهر أزمة الحزب الجمهوري في هذا العام الانتخابي، فلم يستطع أي من المرشحين الجمهوريين أن يحصل على إجماع داخل الحزب. بل أكثر من ذلك، فحتى رغبة الجمهوريين في هزيمة أوباما وطرده من البيت الأبيض، لم توحدهم. ومن هنا، فإن المعركة طوال الحملة التمهيدية، ستكون في الحقيقة معركة حول روح الحزب الجمهوري. ومثل تلك المعارك حدثت قبل ذلك في كلا الحزبين، وكانت لها تأثيرات بعيدة المدى.
ففى عام 1964، كانت معركة الترشيح للحزب الجمهوري من هذا النوع، ورغم أن باري غولدووتر لم يفز فيها بالترشيح، إلا أن حملته غيرت وجه الحزب الجمهوري لسنوات طويلة قادمة. فمن موقعه على أقصى يمين الحزب وقتها، بدأت تتشكل قوة جديدة ضاربة، استغرقت سنوات حتى بدت على السطح بقوة في فوز ريغان بالرئاسة في 1980.
وظل الحزب الجمهوري منذ ذلك التاريخ يندفع مزيدا نحو اليمين بشكل منتظم، إلى أن حدثت نقلة نوعية في الاتجاه ذاته بتولي بوش الابن وهيمنة ذلك التيار تماما على الحزب. لكن حماقة بوش وإخفاقاته، جعلته يترك الرئاسة وقد صار حزبه ممزقا من جديد.
وبتولي أوباما، انطلقت حركة حفل الشاي التي زادت من عنفوان اليمين في الحزب إلى حد التطرف في أحيان كثيرة، بل ولم تجد غضاضة في دفع أعضاء الكونغرس الجمهوريين دفعا نحو الشطط في المواجهة مع الديمقراطيين، حتى ولو وصل الأمر لإغلاق الحكومة أبوابها إذا لم يتم الاتفاق على الميزانية.
وجوهر أزمة ميت رومني اليوم، هو ضعف تيار الاعتدال داخل الحزب الجمهوري وهيمنة التشدد. فرومني متهم داخل الحزب بأنه ليس "يمينيا" بالقدر الكافي.
لذلك، فإن المعركة التمهيدية ستظل مشتعلة، رغم فوز رومني في أيوا وربما ولاية نيوهامبشير،.بل من الممكن القول إنها ستبدأ فعليا في ولاية كارولينا الجنوبية. والأسباب وراء ذلك متعددة، فرغم الاهتمام الشديد بأيوا ونيوهامبشير تحديدا، إلا أن ذلك الاهتمام صناعة إعلامية لا علاقة له مطلقا بالنتائج فيما بعد.
فولايتا أيوا ونيوهامشير لا يمكن اعتبارهما ممثلتين للسلوك التصويتي في باقي الولايات.
فعدد سكان الولايتين لا يزيد على 2% من عدد سكان الولايات المتحدة، وهما ولايتان فيهما أغلبية ساحقة من البيض لا تقل عن 94%، بما لا يعكس التعددية العرقية والإثنية في باقي الولايات.
ثم إن الاقتصاد في الولايتين حاله أفضل من باقي الولايات، حيث لا يتعدى معدل البطالة فيهما 5%، بينما يزداد المعدل إلى 9% أو أكثر في الولايات الأخرى. أما ولاية كارولينا الجنوبية فهي مختلفة تماما.
لذلك فإن المرشحين الأقل حظا في أيوا ونيوهامشير، لا يزالون مصرين على المنافسة في كارولينا الجنوبية، بل ولديهم فعلا فرصة أكبر نسبيا فيها، الأمر الذي قد يعني مزيدا من تقسيم الأصوات، وربما بروز واحد منهم ليحتل الصدارة.
وستتوقف فرص الجمهوريين في نوفمبر على ما سوف تنتهي إليه المعركة حول روح الحزب، وما إذا كان المرشح الفائز قد وحد الحزب أم زاد من الانقسامات داخله.
كل هذا يحدث داخل الحزب الجمهوري وحده، أي دون أن تبدأ المعركة بين الحزبين أصلا. ولأن أوباما لم ينافسه أي ديمقراطي على ترشيح الحزب، فإن المعركة داخل الحزب الديمقراطي لا تزال مؤجلة، وهي ستكون على الأرجح معركة حول روح الحزب الديمقراطي هي الأخرى.
فليس خافيا أن القطاعات التي عملت بكل حماس وحملت أوباما حملا للبيت الأبيض، أصابها أداء الرئيس بإحباط شديد، قد يصل أيضا في الانتخابات القادمة إلى عدم الحماس لدعمه.
المفارقة إذن، هي أن الفائز بالرئاسة سيكون الأكثر قدرة على توحيد حزبه، وإلهاب حماس مؤيديه لدعمه في معركة الخريف.