هناك العديد من القضايا التي تقلقنا كمواطنين وتسبب لنا مخاوف مشروعة. تلك القضايا تجعل عقلنا البشري ومخيلتنا النشطة ترسم بصورة يومية سيناريوهات مستقبلية بأبعاد مختلفة بعضها مقلق ومخيف، أفكار كثيرة تطوف في مخيلتنا ونحن في بداية عام جديد وعقد تاريخي آخر من تاريخ دولتنا تجعلنا نرتبك أحياناً ونضطر إلى خلط الأوراق وتبنى سيناريوهات مختلفة بين الفينة والأخرى وأن كانت جميعها مقلقة، قضايا كالخلل في التركيبة السكانية، والتفاعل الحضاري مع الآخر وتأثيره على حياتنا وهويتنا، الجريمة المنظمة وأثرها على أمننا القومي والتنمية وملفاتها جميعها قضايا تثير في أنفسنا مخاوف مشروعة، من جانبها تقف قضايا أخرى مثل تعزيز الحرص على مصلحة بلدنا ليس بين مواطنينا فحسب بل بين كل من يعيش في ديارنا، شاهدا على عمق مخاوفنا، فالأيام تكشف لنا وبصورة مستمرة أنه ليس كل من سكن ديارنا وتمتع بخيراتنا يحمل لنا ما نحمله له، بل أن لدى البعض نوايا خطيرة للأضرار بنا وبأمننا.
إضافة إلى ذلك فقد أثبتت رياح التغيير التي هبت على العالم العربي وتأثر بها جوارنا أنه لا بد من تقوية جبهتنا الداخلية حتى تقف صلبة في مواجهة كل كايد أو واشٍ، فالسعي لتفعيل الحس الاجتماعي وتعزيز اللحمة الوطنية والمسؤولية الاجتماعية مهم جدا لتقوية وتدعيم جبهتنا الداخلية، ولا يمكن تعزيز التلاحم الوطني دون استثارة الهمم وتوجيه كل الجهود لكي تصب في قناة واحدة وهي حب الوطن والحرص على مكتسباته، تلك القضايا تجعلنا نستشعر الخطر، خاصة وأن قضايا كهذه تفرض علينا أن نتعايش مع إفرازاتها بشكل يومي خاصة وأن بعضها مزمن.
هذه القضايا وغيرها تجعلنا نرسم في أذهاننا سيناريوهات بعضها مقلق وبعضها مرتبك لما ستفرزه تلك القضايا على حياتنا اليومية وعلى مصيرنا اذا ما استمر الحال على ما هو عليه، وعلى الرغم من أننا ندرك بأننا نعيش في مجتمع أمن وأن تلك القضايا وغيرها هي على طاولة البحث وفي صميم تفكير القيادة السياسية المسئولة عن أمننا الوطني، وعلى الرغم من معرفتنا بأن هناك هيئات مسؤولة عن الأمن الوطني والكوارث والأزمات المفاجئة التي يمكن لا سمح الله أن تصيبنا كما تصيب غيرنا، إلا أن عقلنا البشرى ومخليتنا لا يزالان قلقين ومصممين على اختراع سيناريو تلو آخر، فالحروب والكوارث هي قضايا قد تحدث بصورة مفاجئة ولكن القضايا التي نعنيها معروفة لنا أصلاً.
فلا يخفى على أحد أنه حتى الحروب والكوارث المتوقعة تصبح عبئاً على الشعوب ما لم تستعد لها، فتنهكها اقتصادياً واجتماعياً وحتى سياسياً فما بالك بالقضايا الاجتماعية والحضارية المستعصية والتي مر على بعضها عقود، هذا يعطى الحق لمخيلتنا البشرية أن تتخيل الكثير وأن تتوقع الأسوأ، وأن كانت بعض المخاوف مشروعة.
مخيلتنا ترسم لنا صورة قاتمة لوضعنا كأقلية مواطنة قد نصل في السنوات القليلة القادمة إلى قلة قليلة وسط محيط متلاطم من الجاليات والثقافات، وكيف سنتعامل مع هذا الوضع اجتماعيا وديمغرافيا وحضريا، هذا السيناريو تغذيه ما نسمعه بصورة دائمة عن تدني نسبة الزيادة الطبيعية في مجتمعنا واحتمال تراجعها مستقبلا وزيادة الهجرة الخارجية واحتمال زيادتها مستقبلا ويضف إلى ذلك انعدام وسائل التواصل والتفاعل بين كل تلك الأجناس وبيننا.
سيناريو ثقافي آخر ترسمه لنا مخيلتنا يتمثل في انطماس ثقافتنا الوطنية ولجوؤنا إلى ثقافة هجينة نستقي منها زادا لنا ولأجيالنا القادمة، هذا السيناريو تغذيه ما نشاهده اليوم من انفتاح كبير لا حدود له يتغنى بالعولمة ويمجد الاقتصاد الحر ويتبنى الانفتاح كهدف وغاية، مخيلتنا البشرية ترسم لنا سيناريو مخيف عن استهداف بلدنا من قبل من يترصد بنا وبمجتمعنا ويضمر لنا السوء سواء في صورة جرائم منظمة أو استهداف مقصود بهدف زعزعة أمننا القومي، هذا السيناريو تغذيه ما نسمعه كل يوم من أخبار وما تنشره وسائل الإعلام الأجنبية من تقارير.
مخيلتنا ترسم لنا السيناريو المخيف عن تلك الغابة الاسمنتية التي زرعناها بأيدينا وكيف أعاقت التواصل الاجتماعي بين الناس وجعلت من ذلك التواصل الجميل الذي طالما تمتع به مجتمعنا وتفردنا به في الماضي شيئاً من الماضي. هذا السيناريو تغذيه ما نشاهده بصورة يومية من أشجار اسمنتية تنبثق هنا وهناك وتحل محل تلك الأحياء السكنية المتراصة جنبا إلى جنب والتي تحمل بين جنباتها عبق التاريخ والمحبة والتفاعل الاجتماعي الجميل.
مخيلتنا ترسم لنا صورة أخرى عن مجتمع لا نعرفه حيث معظم ما فيه هو جديد ومستورد بدءا من العمارة وانتهاء بالعادات والتقاليد الاجتماعية. هذا السيناريو يغذيه ما نراه اليوم من تكالب على تبنى أنماط حضرية وحضارية مختلفة.
مخيلتنا ترسم لنا في كل يوم السيناريو المختلف الذي يؤجج شعور الخوف والقلق في دواخلنا ويجعلنا نحس بالرهبة من القادم من الأيام، فهل تلك السيناريوهات مبالغ فيها أم هي نتاج لسياسات وخطط من صنع أيدينا؟
على الرغم من اقتناعنا بأن الخوف هو شيء نستشعره حينما نتعرض لخطر ما إلا أنه يمكن القول بأننا نستشعر الخوف أيضا حينما نكون سائرين في طريق مجهول، فمن ناحية فإن إدراكنا بأننا مجموعة بشرية صغيرة تواجه تحديات كبيرة أجج حالة القلق في دواخلنا وجعلنا نعيش في رهبة دائمة، من ناحية أخرى فإن حالة التغير المجتمعي السريع الذي نعيش فيه أحدثت الكثير من الإرباك القيمي في دواخلنا وسلبت منا نعمة الأمن النفسي، ولكن هذا التفسير لا يعنى أنه لا توجد أسباب جدية ومشروعة لقلقنا، فالتغير السريع من حولنا يخيفنا كمــا أن التغــيير غير المدروس اجتماعيا يؤجج حالة القلق تلك في دواخلنا ويجعلنا نعيش في صراع دائم يتمثل في رفض الحداثة والحنين للأصالة، هذا في الواقع هو وضعنا ووضع الكثير من الشعوب التي تواجه ظروفنا نفسها.