قبل ما يقرب من عشرة أعوام، أثار وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد موجة من الغضب بإشارته إلى «أوروبا القديمة». فاستشاط الفرنسيون والألمان غضباً، وقالوا كيف يجرؤ على وصفنا بــ«القدماء»، في الوقت الذي كان الاتحاد الأوروبي يحظى بشعبية واسعة، وكانت قيمة عملة اليورو الجديدة تواصل ارتفاعها وقتذاك، فيما كانت الولايات المتحدة تعيش في عزلة متزايدة تحت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش!

ومع ذلك، فإن الأمور في أوروبا كلما أوغلت في التغيير بقيت بشكل كبير على ما كانت عليه في السابق. وعادة ما كانت الجزر بريطانية، وهي جزء وأيضاً ليست جزءاً من أوروبا، تنسحب بحذر عندما تحتدم الأمور، خشية أن يتم توريطها في الأزمة مرة أخرى عندما تبدأ الأوضاع في الغليان.

 ويعرف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون السيناريو القديم جيداً، حيث يصر بشدة وعلانية على أن بريطانيا العظمى لا تزال جزءاً من الاتحاد الأوروبي الآخذ في الانهيار، في الوقت الذي يفترض في مجالسه الخاصة أنها ليست كذلك. وعلينا أن نذكر «المشكلة» الألمانية، فسواء كان العام هو عام 1870 أو 1914 أو 1939 أو 2011، فإن الأوروبيين لطالما خافوا من فكرة ألمانيا موحدة، يميل شعبها، نظراً لعدد من الأسباب الثقافية، إلى إنتاج ثروة تفوق ما قد يوحي به حجم دولتهم.

وفي هذا الصدد، كلما أسهبت فرنسا في حديثها عن أمجاد ثقافة بلاد الغال، فهي إما تسعى إلى تقييد جارتها القوية للغاية، أو تسعى، بطريقة مهينة، إلى استرضاء ألمانيا. وليس أمراً مفاجئاً أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يبدو الآن وكأنه يتبع كلا المسارين في الوقت ذاته.

وعلى امتداد قرون، ركدت أوروبا البحر الأبيض المتوسط، التي تعد المهد الأصلي للحضارة الغربية، بالمقارنة مع شمال القارة. إذ أن الكاثوليكية والأرثوذكسية المهيمنتين على منطقة الجنوب المشمس، وكثرة التعرض للمتشددين العثمانيين المجاورين، وعدم وجود الموانئ الأطلسية التي كانت تطل على العالم الجديد منذ فترة طويلة، كلها تسببت في هبوط دول البحر المتوسط إلى ركود نسبي.

ولطالما اعتبرت اليونان وإيطاليا والبرتغال وأسبانيا مناطق دافئة وملائمة لقضاء العطلات أو التقاعد، ولكن ليس للعمل أو العيش أو إنشاء أسرة. والشعبية التي تحظى بها هذه الصورة النمطية في عام 2011 تضاهي ما كانت عليه في عام 1880.

ولطالما خشيت العائلة الأوروبية المتشاجرة خصمين عظيمين، وهما روسيا ونزعة التطرف. فعلى امتداد الفترة من عام 1453 إلى القرن الثامن عشر، عاشت أوروبا في خوف من العثمانيين، الذين وصلوا مرتين إلى مشارف فيينا. وغزت الجيوش الأوروبية الضخمة روسيا مرتين، ودمر كل من نابليون وهتلر إمبراطوريته الخاصة بسبب محاولاتهما الفاشلة لشن ضربات وقائية. واحتلت روسيا نصف أوروبا لما يقرب من نصف قرن، وهي تحاول الآن استخدام الغاز والنفط للحصول على ما كانت تحصل عليه بالصواريخ والدبابات. وتعتمد أوروبا على النفط الذي تقدمه الدول الإسلامية بقدر ما تشعر بالرعب من ملايين المهاجرين المسلمين الجدد.

ومن جديد، يشعر اليهود الآن بأنهم أناس غير مرغوب بهم في أوروبا بقدر ما شعروا بذلك في ثلاثينات القرن الماضي، أو في عام 1543، حين ألف مارتن لوثر كتاب «اليهود وأكاذيبهم». وفي بعض الأحيان، يتعرض الأكاديميون اليهود للنبذ في المؤتمرات الدولية التي تعقد في أوروبا. ولم تعد بعض ضواحي باريس أو روتردام مكاناً لا يرحب فيه باليهود. وتعد أوروبا مناوئة لإسرائيل إلى حد كبير، وستكون كذلك دائماً على الأرجح.

وبعد الحرب الثورية، عمد الأوروبيون إلى التدفق إلى أميركا وذمها باعتبارها غير مألوفة وفظة في الوقت ذاته، حتى فيما كانوا يلجأون إليها من أجل المال والمساعدة العسكرية. ولم يتغير ذلك كثيراً، على الرغم من تصريحات الاتحاد الأوروبي النموذجية وسياسات الإعادة للوضع السابق التي تتبعها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما.

وشعر معظم المعتزين بأوروبا أخيراً بأن رعاة البقر الأميركيين نالوا ما استحقوه في العراق، وأثناء الذعر المالي الذي شهده عام 2008. ومن ثم حملوا فيروسات وول ستريت المستوردة مسؤولية انهيارهم المالي، ليقوموا بعد ذلك بالتوسل من أجل أن يتم إنقاذهم، حين هدد تخلف جنوب أوروبا عن السداد بتدمير الاتحاد الأوروبي.

ورداً على ذلك، عمد الأميركيون كالعادة إلى الإعلان عن استقلالهم وعزلتهم. وتعهدوا بعدم التدخل مجدداً في نزاعات الأوروبيين وحروبهم، ليجدوا أنفسهم غارقين حتى الركب في مشكلاتهم.

وبشكل منتظم كل بضعة عقود، يقسم بعض من يصفون أنفسهم بــ«الحالمين» الأوروبيين بأن القارة إما ستعيش بسلام في ظل بروتوكولات مثالية، أو ستتحد، على نحو أشد قتامة، في إطار نظام كبير، وغير ديمقراطي، شاءت أم أبت. ولكن على الرغم من جميع الادعاءات النبيلة التي أطلقها مؤتمر فيينا أو الاتحاد الأوروبي، أو الانتشار الكابوسي لنظام نابليون القاري والرايخ الثالث، وعلى الرغم من كل الوعود التي تقدمها الفاشية والشيوعية والاشتراكية أوروبية المولد، فإن النتيجة هي نفسها دائماً، أي الانشقاق والقسوة والاقتتال.

وذلك النوع من الفصام هو ما ينبغي علينا أن نتوقعه من عشرات الثقافات والتواريخ المحشورة في قارة صغيرة للغاية تزخر بالشعوب اللامعة، والفخورة إلى حد كبير. وكل أوروبا جديدة تنتهي دائماً إلى أن تكون أوروبا قديمة.