يتحدث البعض في عالمنا العربي عن الديمقراطية وكأنها هدف يتحقق ثم ينصرف الجميع لتحقيق أهداف أخرى. وهو معنى لا علاقة له بجوهر الديمقراطية. فهي ليست بقعة ما في الطريق نصل إليها وينتهي الأمر وإنما هي عملية طويلة الأجل تنطوي على كفاح مستمر لا يتوقف. فلا يوجد نظام سياسي في العالم قد وصل إلى الكمال الديمقراطي، ولا حتى صار محصناً ضد النكوص على الديمقراطية. خذ عندك مثلاً ما يحدث اليوم للديمقراطية الأميركية.
فهناك معركة شرسة بعد عقود طويلة من إرساء الديمقراطية موضوعها حرمان قطاعات كاملة من الحق في التصويت. والسبب أن أكثر من 14 ولاية أصدرت مؤخراً قوانين من شأنها أن تحرم الملايين من التصويت في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وحتى نضع الموضوع في سياقه، ينبغي التذكير بأن الولايات المتحدة صاحبة تاريخ طويل في مسألة حرمان بعض الفئات من التصويت.
فبعد الحرب الأهلية الأميركية، تم إلغاء العبودية وحصل السود على حقوق المواطنة. لكن الكثير من البيض، وبالذات في ولايات الجنوب التي حاربت من أجل الإبقاء على العبودية، رفضوا مساواة البيض بالسود. ولأن الولايات المتحدة دولة فيدرالية تختص فيها الولايات، لا الحكومة الفيدرالية، بسن القوانين المنظمة للانتخابات العامة، فقد دخلت أميركا وقتها مرحلة جديدة من العنصرية المبنية على تفنن تلك الولايات في عزل السود وتهميشهم وحرمانهم من حقوقهم، وهو ما كان يتم عبر أمور فنية لا تبدو موجهة لهم تحديداً.
فعلى سبيل المثال، أصدرت ولايات الجنوب في ذلك الوقت قوانين انتخابية تجعل الحق في التصويت مرهوناً باختبار الأمية أو بدفع ضريبة عند التصويت. وهى قوانين مفصلة بوضوح لحرمان السود تحديداً من التصويت، الذين حرموا من التعليم ومن المال أو التملك في زمن العبودية. لكن حركة الحقوق المدنية في الستينات، غيرت وجه أميركا. فقد صدر بعدها قانون الحق في التصويت الذي حظر حرمان المواطنين من ذلك الحق، ونص على أنه يتحتم أن توافق الحكومة الفيدرالية على أي قانون انتخابي تصدره الولايات التي لها سجل في التمييز ضد الأقليات.
غير أن المفارقة هي أن ما حدث في الماضي يتكرر حالياً، فحكومات الولايات تستخدم أساليب فنية لحرمان قطاعات بعينها من التصويت. فالواضح أن الجمهوريين أدركوا أن القطاعات التي حملت أوباما للبيت الأبيض في 2008 كانت الشباب وكبار السن، فضلاً عن الأقليات، خصوصاً الأميركيين من أصل لاتيني وإفريقي. وهم أدركوا أن تلك القطاعات حين غابت عن التصويت في انتخابات 2010 التشريعية فاز الجمهوريون فوزاً كاسحاً.
ومن هنا، فإن وضع العراقيل في وجه تلك القطاعات للحيلولة بينها وبين التصويت يساعد المرشح الجمهوري للرئاسة على الفوز بالبيت الأبيض. ولأن أغلبية من حزبهم تسيطر على المجالس المحلية في الكثير من الولايات، فقد وجد الجمهوريون ضالتهم في العودة لأساليب الماضي نفسها لتحقيق الهدف. فصدرت على سبيل المثال مجموعة من القوانين في الولاية بعد الأخرى، تحظر التصويت دون تحقيق شخصية صادر من الحكومة ويحمل صورة فوتوغرافية لصاحبه.
وعلى الرغم من أن مثل ذلك الشرط قد يبدو عادياً في بلدان كثيرة حول العالم، إلا أنه ليس كذلك في أميركا. فالولايات المتحدة الأميركية هي البلد الديمقراطي الوحيد الذي لا تقوم فيه الدولة بتسجيل الناس للتصويت، فتلك مهمة المواطن؛ يقوم بها بنفسه، ولا علاقة للحكومة بها. وأميركا أيضاً من البلدان التي لا تعمل بنظام البطاقة الشخصية الصادرة من الحكومة.
ومن هنا، فإن الإصرار قبل الانتخابات بشهور قليلة على تحقيق للشخصية يحمل صورة المواطن يؤدى إلى وضع العراقيل أمام قطاعات بعينها خصوصاً الفقراء وكبار السن. فعلى سبيل المثال، يحصل من هم فوق الستين في بعض الولايات على رخصة قيادة لا تحمل بالضرورة صورة فوتوغرافية، وهو ما يعنى أنها لا تصلح للتصويت، وإصدار رخصة جديدة صالحة يتطلب جهدا لا يقدر عليه الكثيرين منهم، ودفع رسوم إضافية لا يملكها الفقراء بينهم. أما من ليس لديهم أي تحقيق شخصية حكومي فهم بالملايين، وحصولهم عليه ليس سهلًا. وعادة فإن من لا يستطيع دفع الرسوم أو لا يقدر على التنقل هم الفقراء، خصوصاً من السود واللاتين، فضلاً عن كبار السن والطلاب.
لكن الشباب حظوا باهتمام زائد للحيلولة بينهم وبين حقهم في التصويت! فقد أصدرت حكومات الولايات قوانين تضع العقبات في وجه طلاب الجامعات الذين يقطنون بحكم التحاقهم بالجامعة في ولاية غير ولايتهم الأصلية. فهي قوانين تخيرهم بين أمرين؛ أن يعيدوا استخراج رخص سياراتهم (التي هي تحقيق للشخصية) في الولاية التي يقطنون فيها، أو أن يتقدموا بطلب لحذف أسمائهم من كشوف الناخبين في تلك الولاية. وهو ما يعنى إما التسجيل للتصويت من جديد في ولايتهم الأصلية، أو إعادة ترخيص سياراتهم في الولاية التي بها جامعاتهم. وفى الحالتين يتطلب الأمر جهداً ووقتاً ومالًا.
كل هذا ناهيك عن أن التسجيل للتصويت في حد ذاته ليس عملية سهلة بالمرة. فالمواطن عليه أن يبحث بنفسه عن مقرات التسجيل ومواعيد التسجيل خلال العام وهي التى تختلف اختلافات كبيرة من ولاية لأخرى. ولأن كل تلك القيود من شأنها أن تحرم خمسة ملايين مواطن على الأقل من التصويت في تلك الولايات، فقد بدأ الكفاح ضدها، حيث خرجت المسيرات شعبية في الولايات المختلفة تطالب بإلغاء تلك القوانين، وراحت المنظمات الحقوقية ومنظمات الحقوق المدنية تعمل على إسقاطها. وهذه الأحداث التي تدور في أعتى الديمقراطيات تؤكد أن الديمقراطية كفاح مستمر لا يتوقف، ولا توجد مرحلة معينة يمكن أن يقول فيها أي شعب إنه حقق الديمقراطية بالكامل.