العلاقة بين المؤسسات المختلفة وبين المجتمع هي علاقة أبدية كما الزواج الكاثوليكي لا طلاق فيه، ومن ثم فإن التوافق حتمية تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه مجتمعنا في عصر بات فيه التلاحم الوطني لا يقتصر على الأفراد فقط بل يشمل المؤسسات كذلك. كما أن من أخطر المشاكل، التي تعوق تنفيذ أية خطة، هو العمل بطريقة الجزر المنعزلة بين الأطراف المعنية بها، وفي الأخير تتشتت الجهود وينعدم أثرها وتهدر الأموال ويضيع الوقت دون تحقيق الهدف النهائي، وهذه آفة منتشرة في عالمنا العربي.
أقول هذا بعد أن تلقيت دعوة كريمة من «غرفة تجارة وصناعة عجمان» لحضور «ملتقى الشركاء الثاني»، الذي يتم فيه عرض خطة الغرفة لعام 2012، كما يعد فرصة مثلى لتبادل الأفكار مع المسؤولين بغرفة عجمان بصفتها الجهاز التنظيمي المسؤول عن تطوير مناخ الأعمال المحلي والتشريعات ذات الصلة إلى جانب طرح خطط أفضل للتجارة والتواصل مع الحكومة، لبحث سبل تطوير قطاعات الأعمال والتجارة والصناعة، فضلاً عن المؤسسات التعليمية الفاعلة في المجتمع ومنها جامعة عجمان بوصفها بيتاً للخبرة ومعدّاً للأيادي الممدودة دائماً وفي مختلف المجالات الرابطة بينها وبين مؤسسات القطاع العام والخاص بشكل عام، وبينها وبين الغرفة بشكل خاص.
وما استوقفني ابتداء هو عنوان الملتقى: «الشركاء»، ولهذا دلالات عديدة وثقافة غابت عن مجتمعاتنا العربية، بمعنى أن النجاحات لن تحققها جهة ما بمفردها دون تعاضد باقي الجهات.
إن المشاركة في وضع السياسات لا بد أن تكون ثقافة في مجتمعاتنا العربية؛ لأن منطقتنا اعتادت دائماً على أن السياسات تفرض بقرارات فوقية، وعلينا الالتزام بها دون أن يكون لنا دور في المساهمة في وضعها أو حتى يتاح لنا مناقشتها والتعليق عليها، وهذا أحد أهم أسباب الغربة داخل الوطن حين تستشعر أنك غير معني بقضايا وطنك. وإذا كان من المنطق أن فكر اثنين خير من فكر واحد، وفكر ثلاثة خير من فكر اثنين، فلماذا أدعي احتكار الحقيقة ولا أستفيد من آراء الآخرين وخبراتهم؟
من المعلوم بالضرورة إذا أردت إلزام أية جهة أو فرد بسياسة أنت واضعها عليك أن تجعله يشارك فيها. وفي تقديري أن القيادة الواثقة في أي مؤسسة كانت هي التي تسعى إلى عرض ما لديها بشفافية، ومشاركة الآخرين في مواقعهم، وإظهار ما تم خلال الفترات السابقة، وما سوف يتم في المدة المقبلة؛ لأنها ليس لديها ما تخشاه أو تخفيه، أو لأن عطاءاتها تستحق أن يشعر بها الآخرون. كما أن أحساس كافة المؤسسات بالشراكة في التخطيط لما فيه صالح الوطن لهو الباب الواسع للعطاء اللامحدود وتعظيم العائد. ومما أسعدني قول مساعد المدير ناصر الظافري خلال الملتقى: «إن رغبتنا في معرفة تصوراتكم واستفساراتكم أهم لدينا من العرض الذي قدمناه عن خطط الغرفة للمستقبل». وهو في ذلك محق؛ لأن من أساسيات النجاح الاستماع للآخرين والإنصات إليهم، لأنهم سوف يمدونك لا شك بما لم يكن في الحسبان.
ثم إن ما تم عرضه خلال الملتقى، من توجهات تسعى من خلالها الغرفة الترويج لاستقطاب المستثمرين والمساهمة في دعم مشاريع الشباب وسيدات الأعمال وتنمية الصادرات الوطنية إضافة إلى مساندة الأعضاء في تحقيق الاستدامة الاقتصادية، لا يمكن أن يأتي بثماره دون أن يكون الطرف الآخر حاضراً، ليناقش ويتعرف إلى ما يقدم له من تسهيلات وكيف يستفيد منه، وذكر العقبات التي تواجهه بما يعود في الأخير بالفائدة على مناخ الاستثمار داخل الإمارة. ومن اللافت أن ممثلي الشركاء في هذا الملتقى معظمهم من الشباب، وهذا جانب مهم؛ فأمة لن تنهض أبداً بغير الشباب، وأمة لن يستمر عطاؤها بغير ضخ دماء جديدة وأفكار جديدة في أوصالها، وهذا لن يتأتى بغير الدفع بالشباب للمشاركة في تحمل المسؤولية في كافة الميادين، كما أن علينا أن نعطيهم الثقة ونقدر أطروحاتهم.
كما أن الشراكة تساعد في مواجهة التحديات بأيادٍ متشابكة وهمم متعاظمة بدلاً من أن يقوم كل طرف بعمل منعزل عن الآخر. إضافة إلى الاستفادة من خبرات كل طرف عبر التلاقح الأفقي للأفكار، وهو ما يؤدي إلى تعاظم مردود الموارد حتى وإن كانت قليلة.
بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الشراكة تساعد في إيضاح الرؤى، وهو ما يضمن نجاح التنفيذ وقصر مدته. ثم إن هذه الشراكة تفتح آفاقًا رحبة من كل جهة لتقديم المساعدة، كل على قدر الطاقة وإمكانياته. وإن سر نجاح التجربة اليابانية هو إشعار كل جزء من المنظومة المجتمعية بأهمية الدور الذي يلعبه في تقدم مجتمعه مهما صغر.
ولأن كافة المشروعات الاقتصادية لها هدف اقتصادي كما يجب أن يكون لها بعد اجتماعي رأيته حاضراً في الأضلاع الأساسية التي تحكم عمل الغرفة من خلال مشروع خدمة التواصل الاجتماعي «تويتر» و«الفيس بوك» و«يوتيوب» للاستغلال الأمثل للمعلومات والتكنولوجيا، ولكسر الحاجز بين المجتمع المحلي والدوائر التي تهدف إلى طرح مبادرات مجتمعية تصب في صالح أبنائه، إضافة إلى حضور البعد الأخلاقي وهو الضمانة الحقيقية للنجاح، والإطار الحافظ لسير كافة المشروعات الاقتصادية، من خلال ما قدمته الغرفة عبر مشروع إعداد سياسات وميثاق المسؤولية الاجتماعية.
وبالرغم من سعي الغرفة الدائم إلى كسب شركاء دوليين في عصر الشركات متعددة الجنسيات أو متعدية الجنسيات إلا أن البعد الوطني كان نصب أعين القائمين على أعمالها من خلال إطلاق خدمة «الشريك المواطن أو وكيل الخدمات»، وكذلك مشروع المؤتمر والمعرض الصناعي الأول «صنع في عجمان» إضافة إلى المشروع التدريبي «صنع بيدي».
وهنا يجب أن نتوقف قليلاً، فثقافة الانتماء والمواطنة التي نتحدث عنها ليل نهار تتطلب منا أن يكون صوت المنتج الوطني حاضراً، وأن يكون «صُنِع في الإمارات» هو الشعار الذي نردده جميعاً ونبذل الجهد والعرق من أجله رغم المنافسة الشديدة، وإيماننا الشديد بالسوق المفتوحة، وهذا يحدث في معقل الرأسمالية العالمية؛ فعندما شعرت أميركا بالقلق إزاء غزو السيارات اليابانية أسواقها وإقبال المواطن الأميركي على شرائها قدمت سيارة فورد قائلة «دقات قلب الأميركان».
إن ما قامت به «غرفة تجارة وصناعة عجمان» هو تطبيق فعلي للسياسة العامة التي وضعتها الدولة، ونموذج يجب تعميمه في شتى المجالات، وبخاصة فيما له صلة بالمجتمع؛ لكي تصبح الشراكة المجتمعية منهاج حياة.