في اجتماع مصغر مع مديري بعض المدارس، أشار أحد الحاضرين من المديرين إلى قيامه ــ مشكوراً ــ بعمل استبانة للطلبة يستطلع فيها طموحهم الذي يرغبون في بتحقيقه بعد تخرجهم من الجامعة، وكانت نتيجة هذا الاستطلاع أن 95% من الطلبة يطمحون لأن يكونوا مديرين في المستقبل، وقد عرض المدير هذه النتيجة بكل فخر واعتزاز، بإرادة هؤلاء الطلبة.
نعم إنه طموح جيد وينبئ بخير إن صح طالبه، ولكن بمفهوم آخر هل أوضح ذلك الاستبيان المستوى العام لهذه العينة عند إجراء الاستطلاع، أم أنها عينة عشوائية؛ فيها الطالب الممتاز والجيد والآخر الضعيف، فإن كان كذلك ــ وما أظنه إلا كذلك ــ فإن رغبة كل هؤلاء الطلبة بأن يكونوا مديرين مصيبة إن كنا ندري، ومصيبة أعظم إن كنا لا ندري، وذلك لأننا نكون قد أسسنا هؤلاء الطلبة تأسيساً خاطئاً مبنياً على الطموح الأقرب إلى الجموح بالفكر والرغبة.
وطرحت تعليقاً في ذات الجلسة على نتائج هذا الاستبيان، أسرد فيه أننا لا يجب أن نفرح كثيراً بنتيجة هذا الاستطلاع، لأنه إن صح وتحقق فإن موازين الأعمال لدينا ستكون مختلة في أساسها، إذ إننا سنفتقر إلى الموظفين المواطنين، لأن عدد المديرين سيكون أكثر من الموظفين بنسبة 95% مديرين إلى 5% موظفين.
وأيضاً إن تركناهم إلى أن يدخلوا في خضم الأمر الواقع بالالتحاق بأي وظيفة ودرجة فإننا سنكسر هذا الطموح الجامح ونحد منه بقوة، ليرجع علينا بذات القوة بشكل سلبي، لأنه كما هو معلوم لكم أن لكل فعل ردة فعل. ومن ثم فإن الطلبة الذين لم يتحقق لهم طموحهم بأن يكونوا مديرين فإنهم سوف يكونون أدوات هدم أكثر من أن يكونوا عنصراً فاعلاً في مجتمعهم، وتلك هي المصيبة.
أما الملاحظة الثانية فهي التحدي الذي تعمل عليه وزارة التربية والتعليم بتحفيز الطلبة للالتحاق بالقسم العلمي دون الأدبي، على اعتبار حاجة السوق المستقبلية واتجاه العالم نحو العلوم والتكنولوجيا والهندسة والتطوير الإلكتروني والعلمي، وهذا التوجه بدا ملحوظاً من خلال تصريحات المسؤولين القائمين على العملية التعليمية، وما أرى أمام هذا الاتجاه سوى أنه يسعى إلى فرض قسم واحد يجبر عليه الطلبة للاتحاق به دون خيار العلمي والأدبي، وذلك لمدة سنوات معينة يتشبع بها سوق التطور العلمي، وبعدها تعاد الأمور إلى نصابها، وبذلك نكون قد حققنا الشطر الآخر من المثل، ونقول وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.
وذلك لأننا سنكون قد احتكرنا الفكر الرائد للطلبة وحصره في اتجاه واحد بشكل إجباري، رغبة بسد حاجة السوق، وهو عين الخطأ ــ وفق وجهة نظري ــ لأن الأمور لا تؤخذ على أعنتها، بل نحن بحاجة حقيقية مبدئياً إلى تحفيز الطلبة للاتجاه نحو المواد العلمية، بما أن ذلك هو حاجة السوق، وذلك من خلال وضع ميزانية مميزة وقوية لمدرسي المواد العلمية بداية، ووضع حوافز لطلاب العلمي، كأن يصرف لهم مكافآت شهرية خلال السنوات الدراسية الثانوية.
وصرف مكافأة أكبر للطلبة الجامعيين المنتسبين للكليات العلمية، وكذلك من الحلول الأخرى عملية التركيز الإعلامي على الدور الرائد الذي سيحظى به خريجو كليات العلوم بشتى تخصصاتها، والبدلات التي يمكن أن يحظى بها العامل في هذا المجال، لأن الطلبة عند مقارنتهم للنتائج المرتجاة مستقبلاً وفق توجيه أولياء أمورهم يجدون أن خريجي القسمين سوف يتطابقان في المخرجات التحصيلية بعد التخرج من الناحية المالية، أو ربما يقل بعض الشيء عند خريجي الأقسام العلمية، كما أن عمله لم ولن يجلب له السلطة على غرار خريج الكليات الأدبية، مثل كلية القانون أو السياسة أو إدارة الأعمال.
فجميعها تحظى غالباً بعد التخرج بمناصب مرموقة ذات سلطة تحفز الشاب للتطلع إليها، كأن يكون قاضياً أو وكيل نيابة أو محامٍ أو مستشاراً قانونياً بإحدى الجهات المرموقة، أو أن يلتحق بالسلك الدبلوماسي، أو أن يدير مؤسسة أو شركة عامة أو خاصة، أما خريجو القسم العلمي فإن مخرجاته تلقي به لأن يكون موظفاً وإن كان طبيباً أو مهندساً.
وفي خضم معترك الحياة ونظرة الطالب إلى أقرانه من الطلبة، الذين غالباً ما يقولون عنه في المستوى العلمي إنهم يتجهون للانخراط في النوادي التي تتنافس بصرف المرتبات والمكافآت وغيرها، والتي تشكل حافزاً قوياً للطالب وتدفعه لأن يقول كما يردد والده غالباً «لو كنت لاعب كرة من بداية عمري، كان أحسن لي من التعب في هذا الدوام، مقابل هذا الراتب البسيط»، نعم إنها حقيقة يطرحها العديدون.
فضلاً عما تحققه الكرة من شهرة ومكانة اجتماعية مرموقة لصاحبها بين أفراد المجتمع، وهي لا تغيب عن أحد. كما أن السلك العسكري طريق آخر للمنافسة في ظل المرتبات والبدلات العالية التي تصرف لمنتسبيها، مقارنة بخريجي الجامعات، خاصة الأقسام العلمية.
لذلك كان لزاماً وضع أطر وأسس علمية راشدة ورشيدة تدرس أحوال الطلبة والطالبات لمعرفة توجههم بشكل مبكر، حتى يمكن تشخيص كل حالة على حدة، ومعرفة توجهها، دون ترك الأمور على الغارب، يبني أحدهم أحلامه على الخيال غير المتناسق مع الواقع، فواقع الحال يقول إنه لا يجب أن يكون جميع أبنائنا مديرين، بل واقع الحال يقول إنه يجب أن يكون من بينهم المدير والطبيب.
والمهندس والمحامي والقاضي والدبلوماسي والعسكري والفني والمهني والسائق والنادل والفراش، وغيرها من الوظائف والمهن، حتى يكون هذا المجتمع قادراً على تحمل مسؤولياته مع الزمن، فلن يكون معتمداً طوال عمره على العمالة الآسيوية أو الأجنبية. ويجب أن يصل لمفاهيمنا، كأولياء أمور قبل الطلبة، أن العمل في أي مجال ليس عيباً.
ومن هذا العرض أصل إلى نتيجة حتمية، هي أن يصار إلى تغيير السياسة التعليمية عن بكرة أبيها، وذلك بتشخيص أحوال الطلبة بشكل مبكر وليس بعد أن يصل أحدهم للصف الحادي عشر ليحدد اتجاهه، فكمّ العلوم والمواد التي يدرسها الطالب يعد كبيراً، وكمّ المتحصل منها قليل جداً لا يكاد أن يذكر، فأقترح أن يكون تحديد الاختصاص بدءاً من أول مراحل الإعدادية، باعتبار أن الطالب قد أنهى التحصيل الابتدائي.
ويمكن للاختصاصيين القائمين في كل مدرسة على حدة ــ ويجب أن يهتم بوجود هذه الفئة ــ أن يوجهوا الطالب نحو الاتجاه الأفضل له، إما الإدارة أو المهن أو التقنية أو الخدمة، وليس في ذلك عيب، وأن يكون ذلك باتفاق مع أولياء الأمور لتوجيه الأبناء، ولزاماً بعد ذلك أن تدعم الحكومة هذه الطبقات التي يحجم عنها الطلبة بشكل أكبر، إلى أن تصبح من ضمن ثقافة المجتمع، وبعدها يمكن أن نصرح بأننا استطعنا أن نبنى مجتمعاً متكاملاً بحق.