بين عام مضى بكل ما جرى من أحداث دراماتيكية فيه وعام يجيء بكل الآمال المتطلعة إليه، فإن أي إطلالة على المشهد العربي عموما، وعلى أي مشهد وطني مصري أو سوري أو يمني أو عراقي أو سوداني خصوصا.
ولا تستجلي ما وراء الصورة، لن تكشف إلا ما يجري على السطح، وربما تغفل أو تتغافل عما دبر ويدبر في الكواليس الدولية، وعن حقائق ما يجري في الأعماق وتزيفه وسائل إعلامية ناطقة بالعربية خدمة لأجندات غربية أو عبرية عن غرض أو مرض، وربما عن جهل بما تفعل من سوء.
ورغم أنني أعرف أن التكرار عادة ما يثير الملل، إلا أن قناعتي بأن التكرار يذكر الشطار، تدفعني لأن أذكر مجددا، خصوصا ونحن جميعا في الهم شرق في مواجهة العاصفة الغربية الهوجاء ذاتها المعروفة بــ «الفوضى المدمرة» التي بشرتنا بها كونداليزا رايس، فبدا وجهنا مسودا وهو كظيم من سوء ما بشرتنا به مع ما وقع وما يقع الآن في أوطاننا بين الأشقاء من دماء ونار ودمار، وفتن سوداء.
إننا لا نستطيع تجاهل أن الأمة الإسلامية والوطن العربي هما اللذان يشكلان محيط ما يسمي بــ «الشرق الأوسط الكبير» بمشروع بوش الأميركي، وما يعرف بــ «الشرق الأوسط الجديد» بمشروع بيريز العبري، وبالتالي هما اللذان يواجهان الهجمة الغربية العبرية الشرسة الحالية تحت عناوين ثورية وديمقراطية وحقوقية، تستهدف إعادة التقسيم وإعادة السيطرة بآلية جديدة هي «الغزو من الداخل».
وبأدوات جديدة هي إشعال الخلافات السياسية والمذهبية البينية الوطنية والعربية والإسلامية، واستثمار المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لإسقاط الأنظمة، وصناعة الفتن السياسية والدينية والمذهبية والعرقية لتفكيك الدول.
و سبق أن كتب في هذا مرات عديدة وبتفصيل أعمق مدعوما بمعلومات ووثائق على التآمر الموثق والمنشور منذ عقود لا سنوات، لسيناريو الفتن والفوضى والاقتتال الأهلي وصولا إلى سيناريو التقسيم الاستعماري الجديد، إلا أن استمرار ما نشهده من مشاهد الفتن الداخلية الدوارة في مواقع عديدة من وطننا العربي تحت عناوين مختلفة، والهجمات والتهديدات الخارجية لدول عديدة من أمتنا الإسلامية تنبئ أننا لا نقرأ وبالتالي لا نعلم بشكل كافً ما نريده لأنفسنا وما يريده بنا أعداؤنا، و لا نتعلم من تجاربنا ولا نريد أن نتعلم من تجارب غيرنا.
وحين أقول «إننا» فإنني أعني أن المسؤولية يتحملها الجميع بدرجات متباينة من النظم والقوى السياسية الوطنية والثورية معا، والموالية والمعارضة على السواء، وهنا سأحاول التفكير بصوت عال فيما يخص أمن الأوطان العربية وأمن مصر العربية وسوريا العربية في مقدمتها، مستعيدا بعض الحقائق والمسلمات في أي وطن.
أولا، إن أمن الوطن من أي عدوان خارجي وأمن المواطن من أي تهديد داخلي يبقى أولى الأولويات وأعلى المسؤوليات الشعبية والرسمية معا، فالأوطان باقية والنظم متغيرة، والأفراد زائلة والشعوب باقية، والوطن الآمن من الخوف من الجوع هو وطن الحرية الذي يتسع للشعب الآمن بكل أطيافه السياسية ويدفع قواه للتنمية ويحقق العدالة لكل أبنائه.
ثانيا،إن الثورات في حياة الشعوب ليست هدفا في حد ذاتها وإنما وسيلة للعبور مما هي فيه إلى ما تتطلع إليه، ولا تلجأ الشعوب إلى الثورة إلا حينما تعجز الوسائل التقليدية الإصلاحية في حل الأزمات حلولا عادلة وسلمية، وحينما تنسد القنوات السياسية و الدستورية والقانونية أمام الإرادة الشعبية الغالبة في سعيها لرفع المظالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكن الإرادة الثورية ليست فوق الإرادة الشعبية أو بديلا عنها، وإنما يجب ان تكون تعبيرا عنها.
ثالثا، إن الثورة بهذا هي عملية ميلاد قيصرية لواقع مجتمعي جديد تتحقق فيه الحرية السياسية والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ثم هي انتقال بالانتخابات الديمقراطية من الميدان إلى البرلمان ومن الثورة إلى الدولة، بداية بهدم قوائم المجتمع الفاسد الظالم بالثورة الشعبية، وهو التحدي الأسهل، ونهاية ببناء قوائم المجتمع الصالح العادل بإقامة مؤسسات الدولة وهو التحدي الأكبر.
رابعا: إن الأزمة، أي أزمة تواجه الوطن أو الثورة، هي مواجهة الحائط بالدخول في طريق مسدود أو ضيق، و الأزمات التي تواجه الشعوب سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية تبقى دائما قابلة للحل بتوفر إرادة حل الأزمة لدي جل الأطراف، وبحسن إدارة الأزمة ممن في أيديهم صنع القرار بالتوافق السياسي الديمقراطي على خارطة طريق للخروج منها بأقل خسارة ممكنة.
خامسا : إن الأزمات عموما سواء قبل الثورة أو بعدها تنبع من فشل الإدارات وغياب الإرادات، والفشل في الإدارة ينتج من سبق الناس أو في التخلف عنها، والقرار السليم هو في التوافق مع فكر عموم الشعب و التواؤم مع إرادته، والتعبير عن تطلعاته، لكن الفشل في إرادة الأطراف السياسية للعبور من الأزمة الذي يمنع التوافق على الحد الأدنى هو الذي يحول الأزمة إلى كارثة.
سادسا: لكن الثورة في النهاية إذا كانت تعني الحرية فإنها لا تعني الفوضى، لأنها في الأساس نظام وعلم تغيير وتحرير المجتمع لا تدميره، وإسقاط النظام الظالم القديم إنما هو لبناء النظام العادل الجديد، وليس إسقاطا لمؤسسات الدولة بالاعتراض لا المعارضة، أو تهديدا لأمن الوطن بإشاعة العنف والاشتباك مع الجيش، أو تجاهلا أو تعاليا على إرادة غالبية الشعب بديكتاتورية الأقلية في الشوارع والميادين بالمخالفة للديمقراطية ولسيادة القانون.
سابعا : إن صناعة القرار السليم تتم بالمشاركة و بالشورى و بالشعور العالي بالمسؤولية الوطنية، وباحترام الإرادة الشعبية وليس بتحديها أو الالتفاف عليها، و ليست في الاستجابة لأول صوت يرتفع ولا لأعلى صوت يرتفع، ولا لأقلية على عكس إرادة الأغلبية، ولا لصالح أغلبية على حساب مصالح أقلية، فالقرار السليم هو موازنة واختيار بين البدائل المتعددة المطروحة بشرط توافق القوى السياسية وتعبيرها عن إرادة الغالبية الشعبية بالوسائل الديمقراطية ومن خلال المجالس البرلمانية المنتخبة.
هذا بعض ما أراه صحيحا وأرجو ألا يكون مخطئا، وفارق بين الرأي والقرار.