في الأسبوع الماضي مرت الذكرى 132 لميلاد الزعيم السوفييتي ستالين، الذي مات عام 1953، وكالعادة تجمع أعداد كبيرة من محبيه ليضعوا خمسة آلاف زهرة قرنفل على قبره، والغريب في هذا التجمع الكبير هو وجود عدد غير قليل من الشباب، إلى جانب كبار السن من المتقاعدين، وخاصة العسكريين، هذا على الرغم مما قيل ويقال عن ستالين الذي يضرب به المثل في الديكتاتورية في العالم أجمع، وحتى في داخل الاتحاد السوفييتي كان هو الزعيم السوفييتي الوحيد المسموح من الحزب الشيوعي الحاكم بانتقاده بعد وفاته، وقد وقف خليفته خروتشوف بعد وفاته بثلاثة أعوام فقط، في المؤتمر العشرين للحزب عام 1956 يهاجمه بشدة ويصفه بالديكتاتور، ويتهمه بأنه كرس عبادة الفرد في الاتحاد السوفييتي، وفي عام 1961 قرر الحزب الشيوعي نقل جثمان ستالين، الذي كان مدفوناً بجوار زعيم الثورة البلشفية لينين في الساحة الحمراء إلى مقبرة عادية بجوار سور الكريملين وسط مقابر كبار الشخصيات، وذلك بعد أن زادت الاتهامات الموجهة إلى شخصه بارتكاب جرائم إبادة وقمع واضطهاد.

رغم هذا كله يظل ستالين حتى الآن هو الزعيم السوفييتي الوحيد الذي يحتفل الكثيرون في روسيا بيوم ميلاده، وترفع صوره في التظاهرات، وفي عام 2009 في الذكرى الخامسة والستين للانتصار على النازية في الحرب العالمية قررت سلطات بلدية موسكو تزيين المدينة بصور ستالين، الذي دحر الغزاة الألمان، وأصدر رئيس الوزراء الروسي بوتين قراراً في هذه المناسبة بإعادة سيرة الزعيم ستالين إلى كتب المناهج المدرسية في روسيا، بعد أن استبعد اسمه منها تماماً أكثر من نصف قرن مضى، الأمر الذي جعل خصوم روسيا في الغرب يصفون بوتين بأنه «ستالين القرن 21»، وفي سبتمبر الماضي في المؤتمر الأخير لحزب «روسيا الموحدة»، الذي أعلن فيه الرئيس مدفيديف عن ترشيحه لبوتين لرئاسة روسيا في الانتخابات القادمة في مارس، خطب بوتين في الحضور، واختتم خطابه بالكلمة التي كان ستالين يختم بها خطابه دائماً، وهي «الحق معنا والنصر حليفنا»، وقُوبل خطابه بتصفيق حاد.

لم يعترض بوتين ولا مرة على من وصفوه بالستالينية، ولم يخش، وهو على أبواب انتخابات برلمانية ورئاسية، أن يختم خطابه بشعار ستالين، وكأنه يعلم جيداً أن هذا الأمر سيلقى استحساناً وإعجاباً من غالبية الشعب الروسي، هذا الشعب الذي تقول عنه الدراسات الغربية إنه شعب لا يعرف الديمقراطية ولا يستسيغها، وإنه يُفضّل حاكماً ديكتاتورياً وطنياً على أي نظام ديمقراطي، وذلك لأنه شعب عانى الكثير من الحروب وهجمات الغزاة الأجانب وطمع الآخرين في ثرواته وأراضيه، ويتعامل مع الديمقراطية على أنها سلعة غربية لا تصلح للتداول في روسيا، كما أنه شعب قديم يعشق الأبطال والقادة الأقوياء، والزعيم الحديدي ستالين يعد في نظر الشعب الروسي بطلاً قومياً، لأنه قاد البلاد للنصر في الحرب العالمية الثانية على النازية والفاشية، كما أن أحداً في روسيا وخارجها لا ينكر أن ستالين هو مؤسس الدولة السوفييتية العظمى، وهناك رابط مشترك مهم بين ستالين ورئيس الوزراء الحالي بوتين، وهو القدرة على مواجهة الأزمات، فقد واجه ستالين أزمات اقتصادية حادة للغاية، ووصلت في أحيان كثيرة إلى حد المجاعات، لكنه لم يهتز ولم يتراجع، بل كان صلباً وقوياً، وربما شرساً وحاداً للغاية في وقت الأزمات، وكان يضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين والمرتشين، الذين كانوا يستغلون ظروف الأزمة، وكان أيضاً يبث الرعب والفزع في نفوس الفلاحين عندما يمتنعون عن مساعدة الآخرين من أهل المدن، بينما واجه بوتين الأزمة المالية العالمية الحالية بحلول ناجحة في استغلال موارد بيع النفط والغاز الطبيعي، وبينما دول العالم الصناعية الكبرى باتت مهددة بالإفلاس من جراء الأزمة؛ أصبحت روسيا من أكبر الدول المانحة للمساعدات المالية، هي والصين.

الآن نلاحظ الحملة الهجومية الشرسة على رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، خاصة بعد أن تأكد ترشحه للرئاسة في مارس المقبل، وهو بالطبع المرشح الأوفر حظاً، ولا يوجد له منافس على الرئاسة، وعند فوزه سيجلس في الكريملين ستة أعوام، حسب التعديل الدستوري الجديد لمدة الرئاسة، وله الحق في الترشح لفترة رئاسة ثانية، ما يعني بقاءه في حكم روسيا 12 عاماً، وهو الأمر الذي يسبب انزعاجاً وقلقاً غير عادي لجهات عديدة في الداخل والخارج، ولهذا نلاحظ أن الحرب من المعارضة اليمينية التي يقودها زعماء الفساد في عهد الرئيس الراحل يلتسين موجهة بالتحديد لشخص بوتين، وترفع لافتات تطالب برحيله، وتصفه بالديكتاتور المستبد، ولكن الكلمة في النهاية للشعب، الذي سيقول كلمته في الانتخابات الرئاسية القادمة، والتي يتوقع الجميع أنه لا منافس لبوتين فيها.