معظم المختصين الغربيين في شؤون العالم العربي وشجونه، ولاسيما مدارات حياته الثقافية والإيديولوجية وما يموج به من تيارات فكرية، لم يفاجأوا بصعود القوى الإسلامية إلى واجهة الحياة السياسية نتيجة للثورات الشعبية في عدد من الدول العربية. لقد كان هؤلاء على دراية ووعى كافيين بأن ديكتاتورية النخب الحاكمة وسطوتها واستخدامها لأدوات الإكراه هي الحائل الأكبر، حتى لا نقول الوحيد، دون هذه النتيجة.
وبدورها، استغلت النخب العربية الحاكمة وظهيرها من الفئات المتذيلة لها؛ المستفيدة منها، هذه الدراية وما ارتبط بها من مخاوف لدى العواصم الغربية تجاه ما وصف بالإسلام السياسي بشكل ذرائعي مفرط. إذ تم تخيير هذه العواصم سراً وعلانية بين دعم الأمر العربي الواقع بما فيه من تجليات لا ديمقراطية والتعامل معه، وبين تشجيع المعارضين، الذين جرت شيطنتهم وتصويرهم كمعادين بالفطرة للغرب ومصالحه وديمقراطيته وروح العصر عموماً.
ولأن الغرب الأوروبي والأميركي على جانبي الأطلسي مشهور ببراغماتيته وانتهازيته، فقد سارع بعد تردد إلى محاولة التعاطي والتكيف مع موجة التغيير العاصفة التي أطاحت، رغماً عنه، بأنظمة طال تحالفه معها وأصعدة التيارات الإسلامية التي جافاها طويلًا أيضاً.
بفعل الثورات العربية، وقع ما كان الغرب منه يحيد ويستشعر الوجل تجاهه. وهنا تعين عليه أن يتخذ موقفاً وخريطة طريق عملية واقعية. وبالنسبة لأقطاب أوروبية بعينها، كفرنسا التي يعيش فيها زهاء خمسة ملايين عربي ومسلم، كادت تحولات الجوار العربي وبخاصة في بلاد المغرب، أن تشغل صلب الأجندات السياسية الداخلية والخارجية على حد سواء.
وبلغ الاهتمام هناك مستوى المشاركة العسكرية المباشرة في إسقاط نظام القذافي في ليبيا. وقد اهتدى العقل النفعي الأوروبي إلى القبول مبدئياً بالتغيير الماثل وإزاحة الكثير من الهواجس السلبية تجاه القوى الإسلامية، مع التزام الحذر وتعليق الموافقة النهائية على هذا التحول الفارق بثبوت اعتدال هذه القوى وجدارتها الديمقراطية. تشهد بذلك تصريحات مسؤولين أوروبيين كبار على الصعيدين الوطني والاتحادي، ومنها تصريح ألان جوبيه وزير الخارجية الفرنسي بأنه «من الخطأ الانطلاق من مبدأ أن الإسلام والديمقراطية لا ينسجمان».
المدهش، أنه في الوقت الذي انتهج فيه الأوروبيون «الأقحاح» مثل هذه السياسة الواقعية المرنة، ذهبت جانيت بوغراب وزيرة الدولة الفرنسية للشباب إلى التنديد بالتحولات الجارية في العالم العربي، وصرحت بأنه «لا يوجد شيء اسمه الإسلام المعتدل، فأي تشريع يستند إلى الإسلام سيفرض لا محالة قيوداً على الحقوق والحريات، خاصة حرية العقيدة».
وضمن تعليقاتها المستفزة، مضت بوغراب إلى وصف فوز إسلاميي المغرب وتونس في الانتخابات النيابية بالطاعون والكوليرا. وفى إطار هذه النبرة العدائية لم تعبأ السيدة الوزيرة بالموقف الفرنسي الحكومي الرسمي الذي يفرض عليها التحفظ والبوح بزخرف القول. ويتأكد صدور هذه الاتهامات عن عداء مكنون مسبق من أن صاحبتنا بررت أقاويلها بضرورة «نبذ الأحزاب التي لا تحترم الدساتير»، دون أن تتنبه إلى أن الأحزاب الإسلامية التي رمتها بكل نقيصة قد خاضت الانتخابات تحت رقابة داخلية ودولية صارمة، ولم تسجل على نفسها مخالفات دستورية تذكر.
مبعث الدهشة هنا أن بوغراب هذه عربية الأصل؛ مولودة عام 1973 لوالدين جزائريين من الموصوفين بالحركيين، وهم الذين قاتلوا إلى جانب القوات الفرنسية إبان حرب التحرير الجزائرية.
وعليه، كان بوسع الوزيرة الشابة أن تنتهز الفرصة للتخلص من وصمة عار لحقت بوالديها ذات حين، إما عبر الثناء على إرهاصات التحول الديمقراطي في أرض آبائها وأجدادها، وإما من خلال الالتزام بموقف حكومتها المعلن الذي سيقيها من شبهة التحيز إلى أصولها العربية. وبمناسبة هذا الشذوذ السياسي فإن بوغراب تعد من مؤيدي زواج المثليين وتبنيهم أطفالًا، ترى هل تتخوف السيدة الوزيرة من رياح نمط ديمقراطي عربي يعاكس عولمة هذه البدعة اللا أخلاقية ويحارب انتشارها عربياً وإسلامياً؟
مثل هذه المقاربة المحمومة، تسمى في علم الاجتماع السياسي بالتطرف القائم على كراهية الذات؛ الذي يعتلي فيه بعض الغرباء أقصى درجات سلم التشدد غير المبرر ضد بني قومهم، لإثبات انتمائهم إلى المجتمع الذي التحقوا به وتنصلهم من مجتمعهم الأصيل وثقافته. الخبر الجيد في هذا المقام أن بوغراب لم تتمكن من استقطاب الكثيرين من عرب فرنسا ومسلميها إلى حوزتها السياسية أو تكييفاتها الفكرية. وحين ترشحت للانتخابات النيابية عام 2007 عن الدائرة الثامنة عشرة في باريس فشلت بامتياز «لأن عرب الدائرة لفظوها، واصفين إياها بابنة الرجل الذي خان بلده».
لو جازت النصيحة إلى أهل الحكم والسياسة في الغرب بعامة وباريس بخاصة، لهمسنا في آذانهم أن هذه السيدة ليست الشخصية المطلوبة أو المناسبة للتودد للعرب والمسلمين داخل فرنسا وخارجها. وأنهم بتعيينهم مثلها في حكوماتهم، يضلون سبيل الرشاد إلى مسعاهم.