يعود الجدل السياسي اللبناني حول المنظومة الطائفية إلى سيرته الاعتيادية مع الكلام المتجدد على قانون جديد للانتخابات.ولو كان من مفارقة يضاء عليها في هذا المجال فهي تلك التي نلاحظها في طبيعة التموضع التي يحتلها المثقفون اللبنانيون وسط الجدل المشار إليه.

الواضح أن معظم المثقفين المنخرطين في السجال المحتدم حول المنظومة الطائفية ينتسبون إجمالاً إلى اتجاهات فكرية وإيديولوجية تنشد فكرة الدولة المدنية اللاطائفية. واللافت أن هؤلاء لا يلبثون حين يطلب إليهم صياغة مشروع يؤسس للفكرة التي يحملونها حتى ينضمون مجدداً داخل المنظومة نفسها من دون أن يتمكنوا من مغادرة كهوفها المغلقة.

هذا إشكال مزمن وعتيق في الحياة السياسية اللبنانية. والبحث عن أسبابه بغية تجاوز تلك الأسباب هو من عمر الإشكال الذي يعود إلى المراحل الأولى لتأسيس الكيان اللبناني.

فما الذي يحدث، وما السر الذي يجعل المثقف العلماني اللبناني عاجزاً عن مفارقة داء الطائفية القاتل؟

ربما كان من بديهيات القراءة الإجمالية لهذا الإشكال أن صورة المثقف اللاطائفي في لبنان لا تظهر خارج السيرة الطائفية. فإنه أي المثقف - وإن شاء أن يغادر أسوارها المغلقة، فلا يلبث أن يعود إلى مستهل المسعى ليبدو كمن يمضي في المستحيل. المثقف في أحوال كهذه يبدو محاصراً بجدران لا حصر لها. بعضها مرئي وينتصب أمامه في كل شأن، ويتعلق بحياته اليومية تعلقاً مباشراً، وبعضها مستتر وخفي، أو يجري إخفاؤه بحساب معدّ بإتقان من جانب من يصنعون للطائفية سيرتها ومجدها وعمرها المديد. وهو إذا حاول الخروج على طائفته لا يجد من يراه في الخارج إلا كغريب. ولئن ملك الجرأة، وخرج على طائفته فلن يجد من يقبله في الخارج إلا كذاك المطرود من مسكنه الأصلي. وفي كل حال، لن يتسنى له العيش كمواطن في وطن سويًّ، لأن الطوائف السياسية التي استوطنت جغرافيات البلاد منذ أن تشكلت ككيان مستقل تروح تجدد نفسها، بعقود مقدّسة بعد كل حرب ضروس أو فتنة عابرة.

ومن سوء حظ المثقف اللاطائفي،أن المساحات التي كان يفترض أن تخلى له كمكان حرّ للكلام والتفكّر أغلقت إغلاقاً محكماً منذ تسوية «الطائف» عام 1989. وبعد هذا التاريخ بدا كما لو أن دولة الطوائف أكملت نفسها واستراحت مما حملته صيغة «الجمهورية الأولى» من متاعب وشوائب كانت سبباً في نشوء بيئات ومساحات سياسية وثقافية ذات استقلال نسبي عنها.

لمّا اكتملت دولة الطوائف على النحو الذي نرى مشاهده التراجيدية منذ نحو عشرين عاماً، وجد مثقفو لبنان اللاّطائفيون، على العموم، أنهم باتوا أسرى علاقات قوة وجذب وسلب من نوع جديد. لقد وجدوا أنفسهم معلّقين بدوائر مغلقة، ولكنها متّصلة في ما بينها بعقود فادحة من الرياء السياسي. وهي دوائر خاضعة أيضاً لكيمياء عجيبة لم يشأ كثيرون منهم أن يكونوا مادة لاختباراتها المروّعة. لهذا السبب رأينا كيف أنهم لم يفلحوا في اجتياز حواجزها أو أن يصمدوا أمام جبروتها. فوراء كل جدار جرى إنشاؤه بعد الحرب الأهلية نشأت سلطة ماكرة وخادعة ومتحللة من كل رابط أخلاقي أو مشروعية سياسية. سلطة ازدادت حنكة بما ورثته عمّن سبقها من بيوتات القوة والعنف خلال الحرب، وكذلك من ميراث «الجمهورية الأولى» التي لم يتحصّل للبنانيين من «عبقريتها» سوى لعبة المقاسمة والمحاصصة والانتهاب.

لم تقم سلطة الطوائف بعد الحرب الأهلية بوجهيها العنيف والبارد إلا على المطلق السياسي. وتالياً على المطلق الاجتماعي والاقتصادي. وتالياً وهو الأخطر والأدهى- على المطلق الثقافي. ثم على ما يجعل الثقافي إما تابعاً مستتبعاً أو عدَماً مقصيّاً.

ولأن «سلطة الطوائف» مطلقة إلى هذا الحدّ، فلم يكن لها لكي توطد مصالحها إلا أن تستقرّ على مثلث توازنات يتجدد على الدوام، بين رئاسات الجمهورية والنواب والحكومة. فكان الزواج المنافق بين مال الحرب ومال السياسة النيوليبرالية وسلطان التقليد الطائفي. زواج شرع يفكك ما تبقى من أواصر المجتمع الثقافي، ساعياً إلى القضاء على كل احتمال في التغيير.

إلى أجل غير منظور، ستبقى الثقافة المبدعة، الفعالة، المثيرة للأسئلة على أحوالها من التشرذم والتفتت والمنع. فهي وأصحابها، أمام موانع لا تضاهي بقسوتها،إنها أمام موت السياسة. فمن دون الحياة السياسية لا كلام على ثقافة مبدعة، مستوية وفاعلة.

وهي أيضاً أساساً أمام جدران إسمنتية مانعة للتواصل. ومعيقة لنشوء ما يسمى المجتمع المدني. بل ثمة إصرار منهجي على استبقاء الثقافة اللاطائفية مجرد كونها بيئات متفرقة مبعثرة لا جسور تواصل فيما بينها، وعلى جعل كل بيئة بعينها مجرد أشتات لا يلتقي أفرادها إلا على السلبية والاحتجاج البارد. لست أكتفي بهذه الزاوية المعتّمة في المشهد الثقافي اللبناني. ثمّة زوايا تشير إلى احتمالات سعيدة.

لكن لا تزال واهنة وضعيفة. فالاحتجاج على فساد المشهد لا يزال مضمراً. إما بسبب الخوف من تلك الشبكة الهائلة من أجهزة المنع، وإما بسبب عدم وضوح الرؤية وسيل الأوهام التي ولَّدها زمن الاستقطاب الطائفي والمذهبي المستأنف. إنه احتجاج لا يزال مستغرقاً في التفاصيل وغير قابل لأن يتحوّل إلى قوّة جماعية تطلق السؤال على حرمة النظام الطائفي نحو مداه الأخير.

في زحمة الكلام المفتوح على « الربيع العربي « وتداعياته، ثمة من اللبنانيين من ذهب بعيداً في التفاؤل فقال بإمكان ثورة لبنانية موازية. لكن مثل هذا التفاؤل سرعان ما تحوّل إلى مجرد همس رومانسي لا طائل تحته، لكأن لبنان الطائفي يمضي في طائفيته فوق قوانين الثورات ومفاهيمها، وفوق القواعد الجيو-ستراتيجية للتحوّلات التي تعصف بمحيطه كرياح عاتية.