لن تكون المسألة السياسية الحاسمة في عام 2012 هي حجم الحكومة الأميركية، بل لصالح من تعمل. فالأميركيون لم ترق لهم حكومتهم كثيراً، ففي نهاية المطاف نشأت الأمة الأميركية في غمار ثورة مناهضة للحكومة.

لكن ارتفاع موجة السخرية التي تجتاح أميركا لا تتعلق بالحجم الذي وصلت إليه الحكومة. وإنما إدراك متزايد أنها لم تعد تعمل من أجل الناس العاديين. بل تعمل لصالح الأعمال التجارية الكبيرة، ولصالح طبقة الأغنياء للغاية.

وفي استطلاع أجرته مؤسسة «بيو»، أخيراً، تبيّن أن 77% ممن تم استطلاع آرائهم قالوا إن قدراً كبيراً للغاية من السلطة يتركز في أيدي القلة الغنية من الشعب والشركات. وهذا أمر مفهوم. فقد تم إنقاذ «وول ستريت»، لكن أصحاب المنازل الذين سقطوا ضحية لموجة عاتية بسبب تجاوزات وول ستريت لم يحصلوا على شيء تقريباً.

يواصل قطاع الأعمال الزراعية الكبيرة تحصيل مئات المليارات من الدولارات في إطار دعم الأسعار و إعانات الايثانول. وتحصل شركات الأدوية الكبرى على حماية براءات الاختراع الممتدة التي تدفع إلى ارتفاع أسعار الأدوية. وتحصل شركات النفط الكبرى على الدعم الفيدرالي الخاص بها.

لكن الشركات الصغيرة في الاقتصاد الرئيسي الأميركي تكاد لا تستطيع تكوين هذه الثروة.

تستغل شركة «أميركان إيرلاينز» الإفلاس لإبعاد الدائن عنها وإعادة التفاوض على عقود العمل. وتفلس الشركات التابعة لدونالد ترامب دون الإضرار بالثروة الشخصية لترامب.

لكن القانون لن يسمح لك باستخدام إفلاسك الشخصي من أجل إعادة التفاوض على الرهن العقاري لمنزلك.

لا يمر يوم دون أن يندد الجمهوريون بعجز الموازنة الأميركية. لكن واحداً من أكبر محفزات العجز، وهو الرعاية الطبية، سوف يكون أقل إذا كان بوسع نظام الرعاية الطبية أن يستخدم تأثير المساومة لحمل شركات الأدوية على تخفيض أسعارها. فما الذي يعوق ذلك؟ لن تسمح شركات الأدوية الكبيرة بذلك.

التكاليف الإدارية للرعاية الطبية هي 3% فقط، وهو أقل بكثير من التكاليف الإدارية البالغة 10% لشركات التأمين الخاصة. إذن فلماذا لا يتم تخفيف تكاليف الرعاية الصحية المرتفعة لجميع الأميركيين من خلال السماح لأية عائلة باختيار النظام المناسب لها؟ وتلك هي الفكرة وراء «الخيار العام». شركات التأمين الصحي أوقفت الفكرة في مساراتها.

الإنفاق الضخم الآخر في الميزانية الأميركية هو الدفاع القومي. فأميركا تنفق على القوات المسلحة أكثر مما تنفقه الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا واليابان وألمانيا مجتمعة.

الميزانية الأساسية للدفاع في أميركا (غير المرتبطة بتكاليف الحروب) في ازدياد مستمر، حيث تصل الآن إلى حوالي 25% أعلى مما كانت عليه قبل عقد من الزمن، بعد معادلة تأثير التضخم.

وذلك لأن مقاولي الدفاع قد أوجدوا رعاة لهم في الكابيتول هيل، وأقاموا مصانعهم ومعداتهم في مقاطعات مهمة للكونغرس من الناحية السياسية.

لذا فإننا نواصل إنفاق المليارات على أنظمة أسلحة الحرب الباردة مثل الغواصات الهجومية النووية وحاملات الطائرات والمقاتلات المأهولة التي ترفع الحدود الدنيا لأرباح من قبيل بكتيل ومارتن ماريتا، لكنها لا علاقة لها بحروب القرن الحادي والعشرين. كما أن انخفاض الإيرادات الضريبية يدفع بالعجز. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن معظم الأميركيين لديهم دخل أقل لفرض الضريبة عليه هذه الأيام. إلا أن أغنى الأميركيين يقتنصون حصة أكبر من إجمالي الدخل أكثر من أي وقت مضى منذ عشرينات القرن الماضي. مدفوعات الضرائب الخاصة بهم منخفضة، لأن التخفيضات الضريبية من عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش قلصت معدلاتهم الأعلى إلى أدنى مستوى تشهده خلال أكثر من نصف قرن، وخفضت الضرائب على أرباح رأس المال إلى 15%. ولم يقم الكونغرس بسد ثغرة تتيح لمديري صناديق الاستثمار وصناديق الأسهم الخاصة، للتعامل مع دخولهم بوصفها مكاسب رأس المال.

لذا فإن أغنى 400 أميركي، الذين يتجاوز إجمالي ثروتهم مجموع ثروة لـ 150 مليون أميركي الأقل دخلاً، يدفعون متوسط 17% من دخلهم في صورة ضرائب. وهذا أقل بكثير من معدلات الضرائب على معظم عمال المياومة والعاملين في رعاية الطفل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الضرائب المفروضة على رواتب الضمان الاجتماعي ارتفاعها كنسبة من إجمالي الإيرادات الضريبية. ومع ذلك، فإن ضريبة الرواتب ارتدادية، يقتصر تطبيقها على الدخل السنوي الذي يقل عن 106.800 دولار.

تتراجع حصة العائدات من الشركات. وأكبر هذه الشركات، وهي جنرال الكتريك، تبحث عن سبل لعدم دفع أي ضرائب فيدرالية على الإطلاق. الكثير من هذه الشركات تحتفظ بدخلها خارج الولايات المتحدة، ويبادر الكونغرس كل بضع سنوات بمنحها إعفاءً ضريبياً لجلب الأموال إلى أميركا.

فهل تدركون الفكرة؟ «الحكومة الكبيرة» ليست هي المشكلة. المشكلة هي الأموال الكبيرة التي تسيطر على الحكومة.

الحكومة تقوم بأقل مما يريد الكثير من الأميركيين أن تفعله، مثل إنشاء مدارس عامة جيدة ووضع مصروفات معقولة للقبول بالكليات، وتحسين الطرق والجسور وشبكات المياه في أميركا، والحفاظ على شبكات الأمان لاجتذاب الناس العاديين الذين تتردى أوضاعهم، والمزيد من الأمور التي تريدها الشركات الكبيرة وول ستريت والأغنياء من الحكومة أن تفعله.

إذا كنا نريد استعادة ديمقراطية أميركا، يتعين علينا أن نعزل الأموال الكبيرة بعيداً عن السياسة.

وهذا يعني إجراء إصلاح مالي حقيقي. وإدخال تعديل على الدستور يسير عكس اتجاه الأحكام الغريبة الصادرة من المحكمة الأميركية العليا التي تعتبر بموجب التعديل الأول أن المال تعبير وأن الشركات أناس فعليون.