وصل التنافس على دعم إسرائيل بين المرشحين الجمهوريين للرئاسة في أميركا إلى حد إنكار وجود الشعب الفلسطيني من الأساس وهو ما يؤذن بمرحلة جديدة من مراحل الاستهانة بالحقوق المشروعة.

والتنافس الدائر حول دعم إسرائيل بدأ منذ أسابيع وكان موضوع مقالي السابق. لكن حين تطرقت المنافسة إلى السياسة الخارجية الأميركية فإنها لم تتناول أياً من القضايا المحورية الراهنة والتي تؤثر بشكل مباشر على المصالح الأميركية بدءاً من الأزمة الأوروبية ومروراً بتأثير الثورات العربية ووصولاًً إلى ما يجرى في روسيا. فهي انحصرت في قضية واحدة فقط هي دعم إسرائيل بمناسبة وبدون مناسبة، فلم يقع مؤخراً حدث جديد يستوجب التعليق والتأكيد على دعم إسرائيل. فالمناسبة الوحيدة هي انتخابات الرئاسة الأميركية فهي «الحدث» الذي يستوجب التنافس على دعم إسرائيل.

لكن الدعم المطلق وغير المشروط لإسرائيل شهد نقلة نوعية جديدة هذا الأسبوع. فالمرشح الجمهوري نيوت غينغريش وصف الفلسطينيين بأنهم «شعب تم اختراعه». فهو قال لا فض فوه «فلنتذكر أنه لم يكن هناك فلسطين كدولة، فهي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. وقد حدثت عملية اختراع الشعب الفلسطيني بينما هم في حقيقة الأمر عرب كانوا تاريخياً جزءاً من الجماعة العربية وكانت عندهم الفرصة ليرحلوا لأماكن مختلفة».

والفكرة التي قدمها غينغريتش لا يجوز التعامل معها باعتبارها طرحاً لابد من مناقشته عبر اللجوء للتاريخ لإثبات زيف ما يقول. فهو طرح عنصري بالغ التطرف. والأفكار العنصرية تستحق الإدانة لا المناقشة. وقد أضاف غينغريتش عبارة لا تقل فجاجة حين قال: إنه «كان من المهم أن يتحلى أحد بالشجاعة ويقول الحقيقة (يقصد أن الشعب الفلسطيني مخترع) فهؤلاء إرهابيون يدرسون الإرهاب في مدارسهم». أي يصف غينغريتش شعباً عن بكرة أبيه بأنه «مجموعة من الإرهابيين» وأن كل ما في الأمر هو أن أحداً قبل حضرته لم يمتلك الشجاعة الكافية ليعلن للناس ما يزعم أنه الحقيقة.

وأفكار غينغريتش المتطرفة في عنصريتها لا يقبلها الكثير من الإسرائيليين أنفسهم. فوفقاً لتشيمي شاليف في صحيفة هآرتس الإسرائيلية، يقف غينغريتش في الخندق نفسه الذي يقف فيه أقصى اليمين المتطرف في إسرائيل.

لكن المسألة لا تتوقف عند حد العنصرية، فهي أفكار معناها عند التنفيذ إما طرد الفلسطينيين من أرضهم وإما ضم إسرائيل للضفة الغربية وغزة في إطار دولة واحدة. ولا أظن مطلقاً أن غينغريتش يريد البديل الثاني لأن معناه بسبب التوازن السكاني نهاية دولة إسرائيل التي ستكون بها عندئذ أغلبية عربية.

غير أنه لا يوجد ما هو أسوأ من موقف غينغريتش سوى الصمت العربي المدوي تجاه تلك التصريحات. فغينغريتش كان رئيساً لمجلس النواب الأميركي، أي أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدوائر الحاكمة في واشنطن ويعرف جيداً تبعات ما يقول. وهو أيضاً مرشح للرئاسة يتقدم حالياً في السباق على كل منافسيه الجمهوريين، الأمر الذي يستوجب التعامل بكل الجدية مع ما يصدر عنه من تصريحات لأنها قابلة للتطبيق إذا ما فاز بالرئاسة.

لكن الموقف العربي كان هزيلاً إلى أقصى حد. فباستثناء الإدانة الفلسطينية وتلك التي صدرت عن الجامعة العربية، تعاملت أغلب الدول العربية، بما فيها بلدي مصر للأسف، مع التصريحات باعتبارها لا تخصها. ومن ثم لم تمانع من أن تنقل الصحف التصريحات دون أن تجد أن الأمر يتطلب بالضرورة موقفاً رسمياً تجاهها. وهو ما يمثل الكثير من قصر النظر وغياب الرؤية في تقديري. فصحيح أن دولاً عربية كثيرة لم تعد تعطي اهتماماً حقيقياً للقضية الفلسطينية إلا أن ما قاله غينغريتش لو دخل حيز التنفيذ سيؤثر بشكل مباشر على الكل دون استثناءات.

لكن حتى موقف الجامعة العربية نفسه كان يخاطب الجهة الغلط! فبعد أن استنكر الأمين العام المساعد للجامعة التصريحات وأدانها بشدة قال: إن الشعب الفلسطيني له تراث وتاريخ «لن تؤثر عليه مثل تلك التفوهات أو الادعاءات الباطلة». وهو خطاب موجه بوضوح إلى الشعب الفلسطيني والعرب عموماً لا لغنيغريتش ولا للحكومة الأميركية . وقد خاطب الأمين العام المساعد البرلمانات العربية داعياً إياها للتدخل بكل ما تستطيع «للتصدي لهذه التصريحات الرخيصة»، قبل أن يخاطب الشعب الأميركي قائلاً: إن «عليهم أن يعوا تأثير هذه التصريحات الخطيرة على مصالحهم، لأن هذا الرجل يتنكر للديمقراطية وحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، وعلى الناخب الأميركي أن يحافظ على الدستور الأميركي والمبادئ والمصالح الأميركية في العالم».

لكن غاب عن خطاب الأمين العام المساعد المخاطب الأكثر أهمية على الإطلاق. فقد كان يتحتم على الجامعة أن توجه خطاباً رسمياً لإدارة أوباما يطالبها بتحديد موقفها الرسمي من تصريحات غينغريتش، وتتوجه بخطاب آخر للأمم المتحدة ممثلة في جمعيتها العامة يعرض تلك التصريحات العنصرية على ممثلي حكومات العالم ويطالبها بتحمل مسؤوليتها وإعلان موقفها منها. وكان مطلوباً أن تقوم الدول العربية هي الأخرى بمخاطبة الحكومة الأميركية. أما الشعب الأميركي فمخاطبته تكون عبر وسائل إعلامه لا إعلامنا.

باختصار، بدون استهجان عربي واسع ومطالبة بالاعتذار، لا يمكن لنا إلا أن نتوقع انتشار أفكار غينغريتش إلى خارج قطاعات اليمين الأصولي، فنستيقظ ذات يوم وقد تبنى الكثير من الأميركيين حكاية الشعب المخترع تلك. وإزاء الصمت العربي هذا، لم يكن غريباً ألا تدين إدارة أوباما ما قاله غينغريتش أو تعارضه وإنما تستخدم على لسان هيلاري كلينتون وصفاً مائعاً لما قاله غينغريتش، حيث قالت إن ما قاله «غير مفيد».