خلال يومي 17 و18 يناير 2011 أتيحت لي الفرصة للمشاركة في ندوة ثقافية هامة في بيروت حول المفكر اللبناني العالمي أمين الريحاني. كانت الندوة من تنظيم مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع جامعة سدني في أستراليا. وهي واحدة من ندوات عدة عنه صدرت أعمالها في كتب أو مجلات متخصصة. فشخصية الريحاني غنية جداً، كذلك نتاجه الثقافي متنوع وشديدة الغزارة. وقد توزع بين الشعر، والفلسفة، والتاريخ، وأدب الرحلات، والرسائل وغيرها.

ما زال هذا التراث الغني موضع دراسة جماعية إذ يستحيل على باحث واحد أو قلة من الباحثين الإحاطة به واستكناه مضامينه العميقة. وجلهم من الأكاديميين المتعمقين بالبحث العلمي، ولديهم خبرة واسعة في الكشف عن جديد إضافي في هذا التراث الثقافي من خلال مناهج النقد الحديثة التي تساعد على قراءة الماضي بعيون الحاضر المتجدد باستمرار.

قدمت إلى الندوة أبحاث علمية رصينة حول شخصية الريحاني، ودوره في التفاعل الثقافي انطلاقاً من نظرته لوحدانية الإنسان وشمولية التراث الإنساني. وشارك فيها كوكبة من أفضل الباحثين المهتمين بتراث الريحاني. توزعت أعمالها ضمن محورين: البعد الاجتماعي والبعد السياسي. تضمن الأول أبحاثاً حول الإصلاح والثورة، والمرأة والمجتمع، والدين والعلمانية. وركزت أبحاث الثاني على الفكر والسلطة السياسية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، القومية والوحدة العربية.

أثار موضوع الدين والعلمانية وموقف الريحاني منهما نقاشات هامة ومعمقة. فهي مسألة راهنة تحتاج إلى ندوات عدة لأن هذا الموضوع يخترق غالبية أعمال رواد عصر النهضة العربية. فقد كان لديهم مواقف جريئة عن الحرية، والعلمانية، وحقوق الإنسان والمواطنة والمساواة بين الجنسين وتحرر المرأة، والتركيز على دور التعليم في نهضة الأمم وأهمية تثقيف الشباب بالقيم الخلقية والعروبة العلمانية، والقومية العربية كرابطة ثقافية أو حضارية وليس كرابطة دينية.

لم يسع الريحاني يوماً للتصالح مع رجال الدين بعد أن شهرت عليه الكنيسة المارونية الحرم حين نشر عام 1903 دراسته الشهيرة «المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية». وهي حوارية على لسان الحيوان، تناول فيها بالنقد اللاذع سلوك رجال الدين في أيامه.

لم يأبه للحرم بعد أن ابتعد معظم القرويين عنه لأنهم خافوا الدخول إلى بيت «الكافر »، باستثناء قلة ضئيلة منهم. فعقب على ذلك الموقف بقوله: «أشكر لكم هذا الحرم، لقد صرت وحيداً، أستطيع أن أنصرف للكتابة». لكنه لم يتعمد يوماً الإساءة إلى الدين رغم أن بعض رجال الدين في لبنان تعمدوا الإساءة إليه واتهموه بمخالفة المقدسات الدينية. فاستمر رافعاً كلمة الحق في وجه فساد بعض زعماء الدين والسياسة في لبنان. فكان طليعياً في هذا المجال واستحق الريادة بمواقفه الوطنية في مواجهة التحريض الطائفي.

ناضل ضد الانقسام الطائفي فاعتبره علة لبنان ولا حل له إلا بالتوعية الثقافية الطويلة الأمد. وكان برنامجه التثقيفي يقوم على دعوة عدد من خريجي جامعات مختلفة إلى منزله لكي يعيشوا معاً فترة من الزمن ليتحاوروا حول الأهداف العليا للحياة القومية، والتباحث في مواضيع الدين والاجتماع والسلوك والاقتصاد والفنون. على أن تكون وحدانية الله أساس التعاليم الدينية. فيستطيع كل ضيف أن يبقى على إيمانه، ويكون الدين العملي مبنياً على أبوة الله وأخوة الناس، وتبقى السياسة الضيقة خارج المواضيع. ونبه إلى أن للدين ناحية أخرى هي اللاهوت الذي يخفف منه تأثيره الصالح. فصار لكل مذهب معلموه، ولكل تلاميذه وأتباعه، وجاءت النتائج المحتومة والمؤسفة: الانحياز والتعصب والاضطهاد والحروب.

وقف الريحاني حياته على نقد كل ما هو سلبي في الممارسات البشرية، سواء صدرت عن رجال دين أو سياسة أو أدب. وتبنى منهجاً واضحاً في حياته يقوم على الحكمة التالية «قل كلمتك وامش». فليس من سلاح للأديب سوى كلمة صريحة يقولها ولو جرحت. وقد لا يستطيع أن يجمع حولها الكثيرين لكنها ترضي الذات أولاً، وقد تتحول لاحقاً إلى لحمة لتيار سياسي عريض، وقادر على التغيير الجذري كما دلت تجارب الثورات الحية في التاريخ.

وضع الريحاني حرية الفكر والكلمة الحرة في المقام الأول. «فالروح التي تحوم حول السماويات تأبى التمرغ في الوحليات، إن عظمة الرجل العظيم لهي في محبته الإنسانية، وفكرته الكونية، وتشوقاته الإلهية ». آمن بمشروع سياسي وفق توجهات قومية عربية واضحة. كما آمن باعتماد وحدانية الله، وحرية الإيمان الشخصي، وأخوة الإنسان. لم يتعرض لأي من الأديان السماوية طوال حياته، ولم يهادن بعض رجال الدين الذين مارسوا التحريض على الفتن الطائفية. ولم يفرق بين دين سماوي وآخر، بل كان حريصاً جداً على احترام جميع الأديان ودخول أماكن العبادة لدى جميع الطوائف دون تمييز، وكانت تربطه صداقات حميمة مع كثير من المصلحين.

استمر يناصب الطائفية والطائفيين العداء حتى آخر أيام حياته. وهو القائل «في الشرق الأدنى أنتج الدين الطائفية وكل شرورها. وفي عصرنا الحاضر، مع تراجع الاضطهاد والحروب الطائفية، لا تزال الذهنية الطائفية باقية، تبني جدران الانعزال التي لا تسمح بأي تقدم».

ورأى أن لعنة لبنان هي الانعزال الذي خلقته وغذته الطائفية. فكل طائفة هي دولة في حد ذاتها، تغذي بين حيطانها عصبيتها ومخاوفها وانحيازها. وجعل الهدف من كتاباته العربية محاربة الشرور الاجتماعية، والعمل على خلق روح الأخوة والتعاون بين المذاهب والطوائف. ختاماً، إن تراث الريحاني وغيره من رواد النهضة العربية هو من الغنى والتنوع بحيث يمكن الاستفادة منه في الزمن الراهن. وذلك يتطلب احترام الحقائق العلمية عند إعادة تقييم تراث النهضة بصفته تراثاً عقلانياً متميزاً في الثقافة العربية المعاصرة.

ولا تجوز قراءة هذا التراث العقلاني غير الطائفي بعيون منفعلة بمقولات سياسة طوائفية في لبنان، والداعية إلى تكريس تدخل رجال الدين في السياسة وتحالفهم مع زعماء الطوائف المدنيين على لبناء الوحدة الطائفية كبديل عن الوحدة الوطنية.

فتلك القراءة تبقى عاجزة بالتأكيد عن إصلاح النظام السياسي اللبناني وصيغته الطوائفية المدمرة. وهناك حقائق مستقاة من كامل تراث عصر النهضة تؤكد على أن الغالبية الساحقة منهم لم يكونوا معادين للدين بل كان منهم من هو شديد العداء للمحرضين على الفتن في لبنان، ومن جميع الأديان. ومنهم من لم يشعر بالحاجة إلى مهادنة المحرضين على التعصب الطائفي والمذهبي، من دينيين ومدنيين.

وكانوا جميعاً يبدون الحرص على بناء لبنان الوطن العربي العلماني المتحرر من قيود الطائفية، وطن معافى كما حلم به جبران خليل جبران وباقي رواد النهضة في لبنان والعالم العربي.