ربما لا يكون الدكتور كمال الجنزوري هو الرجل الأمثل ليرأس حكومة الثورة في مصر، ولكن.. من قال إن الثورة تحكم، أو إنها في الطريق لتسلم الحكم قريباً؟!.. الرجل يعرف ذلك جيداً، لذلك جاء بوزراء من كبار الموظفين لتسيير الأعمال في وزاراتهم، وليتفرغ هو لمهمتين أساسيتين فشلت الحكومة السابقة التي ترأسها عصام شرف في التعامل معهما، وهما استعادة الأمن، وإعادة دوران عجلة الإنتاج ووقف التراجع الاقتصادي الذي يرى أنه قد وصل لدرجة خطيرة.

وبعيداً عن حكاية تفويضه أو عدم تفويضه باختصاصات واسعة، فالرجل يعرف أن القرار ـــ بحكم الدستور وبحكم الواقع ـــ هو في يد المجلس العسكري الذي انتقلت إليه اختصاصات رئيس الجمهورية التي لا حدود لها في النظام المصري حتى الآن. ولكنه يعرف أن المجلس العسكري يحتاج لخبراته وقدرته على الحسم للخروج من الأزمة التي صنعها المجلس العسكري بنفسه لقلة خبرته السياسية، وبالطريقة السيئة التي أدار بها الفترة الانتقالية حتى الآن.

ويعرف الجنزوري أن هناك عوامل قد تساعده على عبور الأزمة، منها ان المواطن العادي قد أرهقته الأحوال الاقتصادية والتردي الأمني، وأنه مستعد لمساندة أي جهد حقيقي لإنهاء هذه الظروف. ومنها أن القوى التي تتصدر سباق الانتخابات وفي مقدمتها الإخوان المسلمون سوف تدعم جهوده، لأنها لا تريد أن تتولى المسؤولية وسط ظروف اقتصادية وأمنية بهذا التردي. ومنها ان وجوده على رأس الحكومة سوف يكون رسالة لقوى كثيرة في الداخل والخارج بحدود التغيير الذي ستقف عنده السلطة في الفترة الانتقالية (وربما في الفترة التالية أيضاً!) وطمأنة هذه القوى على مصالحها، وعلى أنه لن يكون هناك تغيير جذري في السياسات، وخاصة فيما يخص التوجهات الاقتصادية.

الجنزوري ليس المشكلة، وشباب الثورة الذي يحاصرون مبنى رئاسة الوزراء يعلمون ان ما يقومون به هو مجرد عمل رمزي لإظهار معارضتهم، ويعلمون أن المشكلة الحقيقية في مكان آخر. وهم يدركون ان الثورة تسرق منهم، وقد يتصورون أنهم قادرون على استعادة المبادرة بالقدرة على حشد الناس في الميادين. ولكن عليهم ان يدركوا أن ما يجري على الساحة يرتب لأوضاع جديدة، وأنهم سيواجهون بعد أسابيع قليلة بصورة أخرى من صور الصراع لن تكون فيه شرعية الميدان هي الوحيدة، ولن تكون موازين القوى كما هي اليوم!

إن الانتخابات التي تشهدها مصر اليوم، والتي يفترض أن تكون بداية الخروج من أزمات الفترة الانتقالية قد تكون البداية لصراع أكبر. إن البرلمان الذي يجري انتخابه سيفرض أوضاعاً جديدة. شباب الثورة سيجدون أنفسهم خارج اللعبة السياسية التي لا يجيدونها ولم يستعدوا لها، والبرلمان بأغلبيته التي تقول النتائج إنها ستكون من القوى الإسلامية سوف يبدأ صراع السلطة، وما حدث من تصريحات متضاربة حول اختصاصات البرلمان القادم ليست مصادفة. فهناك ارتباك معتاد من المجلس في مواجهة التحديات. وهناك قضايا لم تحسم، وهناك مصالح متضاربة وترتيبات مطلوبة، وإلا فإن كل الاحتمالات ستكون واردة بما فيها الصدام العنيف أو تعطل الانتقال السلمي إلى السلطة المدنية. ولعل «الإخوان المسلمين» بالذات سوف يدركون ساعتها كم كان خطأهم حين لم يوافقوا على وضع الدستور أولًا، ثم بدء الانتخابات لاختيار البرلمان ورئيس الدولة كما تقضي كل القواعد الدستورية، وكما كانت تطالب كل القوى السياسية المدنية. رفض الإخوان المسلمون ذلك، وفضلوا السير في الطريق الآخر، ظناً منهم ان ذلك يعطيهم الحق في فرض رؤيتهم عند وضع الدستور. ولكنهم في الحقيقة سيجدون أنفسهم في وضع معقد كانوا في غنى عنه لو كانت قواعد اللعبة قد وضعت مبكراً، ولو جاؤوا للحكم بأغلبية وفق دستور متفق عليه.

أما الآن.. فسيجد الإخوان انفسهم أمام جماهير لهم وعدوها بدولة ودستور يقومان على أن «الإسلام هو الحل» وأمام شريك من السلفيين يزايد عليهم مطالباً بدولة الخلافة وتطبيق الحدود ومعاملة «الآخرين» من ليبراليين وعلمانيين ويساريين على أنهم «كفار»، ورفض أي حديث عن مساواة المرأة والأقباط.

علي الجانب الآخر سيكون أمام «الإخوان» القوى المؤمنة بمدنية الدولة والمتمسكة بقيم المساواة والمواطنة، والتي كان من السهل على «الإخوان» التنسيق أو التحالف معهم لولا ضغوط السلفيين التي دفعت بالإخوان خلال الشهور الماضية إلى مواقف أكثر تطرفاً عن موقعها المعتدل قبل ذلك.

وكل هذه الأطراف مجتمعة ستجد نفسها أمام طرفين أساسيين في تحديد مستقبل مصر: شباب الثورة الذي سيخرج ـــ بعد الانتخابات ـــ خالي الوفاض، ثم الجيش الذي يمسك بالسلطة، والذي لن يتخلى عنها إلا إذا ضمن موقعه في النظام القادم.

وبعد أسابيع سيكون للصراع شكل جديد. سيكون هناك برلمان تقول الأغلبية فيه إنها تملك الشرعية القادمة من صندوق الانتخابات. وسيكون هناك المجلس العسكري ومعه شرعيته التاريخية التي تعززت بحماية الثورة وانحيازه لها ضد رأس النظام السابق. ستكون هناك قوى الشباب الذي أشعل الثورة واحتل الميادين ثم وجد نفسه بعيداً عن السلطة الجديدة أو مبعداً عنها.

يبني «الإخوان» استراتيجيتهم على استعادة التحالف مع حزب «الوفد» بعد الانتخابات، والابتعاد عن الجماعات السلفية وممثلها الرئيس في البرلمان القادم وهو حزب «النور». ويرى «الإخوان» أن هذا يعطيهم مرونة في التحرك ووجهاً معتدلاً في الداخل والخارج، ولكنه سيترك طرفاً يزايد عليهم إسلامياً يتحرك ضدهم ويزايد عليهم خاصة في موضوع الدستور.

ويتحرك المجلس العسكري في محاولة لتحسين علاقته بشباب الثورة، والتي تأثرت كثيراً بسبب تراكم الأخطاء في الشهور الماضية، كما يحاول من خلال المجلس الاستشاري الذي أنشاه أخيراً - إقامة توافق على مبادئ أساسية تضمن مدنية الدولة، وتضمن الوضع الخاص للجيش. أما شباب الثورة فموزعون بين إحساس بأن الثورة سرقت منهم، وأمل بأن الميادين مازالت موجودة، والصراع مازال في بدايته، وأن الثورة لم تقم لتعيد «الخلافة» أو لتقضي على مدنية الدولة.

والتوافق بين كل هذه التيارات هو طريق الإنقاذ. وربما يكون لحكومة الجنزوري ـــ رغم كل الاعتراضات عليها ـــ دور مهم في منع الصدام الأسوأ، إذا نجحت في تحقيق المطلوب منها: الأمن وإنقاذ الوضع الاقتصادي، حتى لا يتحول الصراع السياسي إلى ما يخشاه الجميع: أن تنتهي أحلام الثورة بانتفاضة المحرومين، بينما يكون البعض مشغولاً بعودة الخلافة، والبعض مشغولاً بعودة العسكر، والبعض مشغولاً بمواصفات المايوه الشرعي والسياحة الحلال!